الرئيسية » آخر الأخبار » إيجاد مصادر دخل رديفة للنفط ليس مستحيلا.. ولكن!

إيجاد مصادر دخل رديفة للنفط ليس مستحيلا.. ولكن!

صورة من عدد الزميلة «السياسة»
صورة من عدد الزميلة «السياسة»

محمد الغربللي:
تنويع مصادر الدخل، بدلاً من الاعتماد الكلي على النفط كدخل وحيد للدولة، شعار تم رفعه منذ عقود، ولايزال الجميع يردده حتى يومنا هذا.. وكان الاتجاه والتوجه بالدعوة هذه نحو قطاع الصناعة وضرورة إنشاء بعض الصناعات، لتكون رافدا أساسيا للدخل.. وقد كان ذلك ترديدا لما قيل في الستينات، بشأن التصنيع، مع أن الكويت ليست في الحقيقة مؤهلة لقيام صناعات مماثلة لتلك التي تم إنشاؤها في بعض الدول، سواء من حيث المساحة الجغرافية، أو عدد السكان، أو إيجاد أسواق داخلية قبل عملية التصدير لاستهلاك مثل هذه الصناعات، بسبب قلة عدد السكان.

أنس الصالح
أنس الصالح

منافسة شديدة

هذا الأمر أصبح بعيداً عن التحقيق في الوقت الحاضر، فهناك منافسة عالمية كبيرة على أسعار المنتجات الصناعية، وبالذات الاستهلاكية منها.. فحتى بعض الصناعات الموجودة في أوروبا، مثل صناعة النسيج، أصابها الركود والإفلاس، بسبب المنافسة الصينية منخفضة الأسعار والتكاليف.. ودخلت الصناعة الآسيوية عامة والصينية بشكل خاص إلى جميع أسواق العالم، وبغرض مواجهة هذا الفيضان الصناعي الآسيوي، قامت العديد من الشركات الغربية بفتح مصانعها أو نقلها إلى الدول الآسيوية.. فالأيدي العاملة متوافرة، وبأرخص التكاليف، قياساً بمثيلاتها الأوروبية، وبذلك انتشرت تلك المصانع بمختلف أنواعها في الدول الآسيوية.. ولهذا، فإن هناك صعوبة في الحديث وترديد أقوال عن إقامة صناعات كرافد دخل مع النفط، فحتى دول أكثر عراقة وقدما في التصنيع، كجمهورية مصر العربية، نجد أنها لم تنجُ من غزو الصناعة الصينية، بما في ذلك المنسوجات القطنية.

اختلاف جوهري

حديثنا عن هذا الموضوع، يأتي تعليقاً على ما نشرته صحيفة السياسة في عددها الصادر يوم الأحد من الأسبوع الماضي، عندما أشارت إلى عقد اجتماع بين لجنة الميزانيات والحساب الختامي في مجلس الأمة مع وزير المالية، لمناقشة مشروع ميزانية عامي 2015 و2016، وذكرت أيضا في خبرها هذا أن لجنة الرد على الخطاب الأميري «دعت الحكومة إلى تنويع مصادر الدخل، مؤكدة أن إيجاد مصادر رديفة للنفط ليس بالأمر المستحيل، ولاسيما أن هناك دولاً نفطية عززت صناعتها وأنشطتها التقليدية التي كانت سائدة قبل النفط، كالنرويج مثلا، إذ تتشابه في تاريخها وظروفها مع الكويت، فهي خامس دولة في العالم في إنتاج النفط، ومع ذلك لاتزال تتمسك بمواردها الأصلية».. حتى آخر المقارنة في وصف النرويج كمثال على تنويع مصادر الدخل.

هناك اختلاف جوهري في موضوع المقارنة، بدايته أن النرويج من الدول الأولى، أو في المراتب الأولى في موضوع الشفافية ومكافحة الفساد، وشعبها هو الذي يقرر مسيرتها السياسية والاقتصادية، ويكفي القول إنها احتلت المرتبة الخامسة في مؤشر مدركات الفساد عام 2014، بينما احتلت الكويت المرتبة 67 في المؤشر نفسه، واصطفت في ذيل لائحة الدول الخليجية في المؤشر، وأي تنمية أو تنويع مصادر دخل لا يمكن أن يتم في ما يشبه انعدام بنية صالحة بالشفافية التامة، وهذا بالاعتقاد الجازم، غير متوافر في الكويت على مستوى المشاريع أو الأداء الحكومي عامة.

الأمر الآخر، فإن المقارنة فيها خلل، فالنرويج لديها ثروات متعددة من الألمنيوم وصيد وصناعة الأسماك، ويكفي أنها تعد ثاني دولة مصدّرة للأسماك عالميا.. أما في الكويت، فلدينا نقص كبير بمئات الأطنان ما بين الاستهلاك وصيد الأسماك في بحرنا الضيق المتاح به الصيد، فلا وجه للمقارنة في كافة المناحي على المستوى الاقتصادي أو السياسي.

عدنان عبدالصمد
عدنان عبدالصمد

الصناعة الاستثمارية

ولكن يبقى السؤال الرئيس، هل يمكن تنويع مصادر الدخل خلاف الجانب الصناعي؟

الجواب بالطبع ممكن تماما، وذلك عن طريق الصناعة الاستثمارية، سواء في الكويت أو في مختلف بقاع العالم.. لكن الصناعة الاستثمارية تتطلب عنصرين، هما المال، وهذا ما كان متوافرا منذ الارتفاعات الأولى لأسعار النفط منذ بدء السبعينات وتنامي الفوائض النفطية، والأهم من ذلك الكوادر الوطنية المؤهلة والنظيفة، والتي تتمتع بالنزاهة والإخلاص لتولي استثمار تلك الفوائض المالية.

العنصر الأول موجود، ويفترض أن تكون أغلب كوادره من الأيدي العاملة الوطنية، ليس بشكل صوري لرفع العتب لا غير، بل ضمن مخطط استراتيجي على المدى الطويل.. أما العنصر الثاني، فيتطلب جهدا كبيرا في إعداد الكوادر مهنياً ومعرفة ودراية.. وبموجب هذين العنصرين، كان يمكن ترسيخ وتثبيت هذه الصناعة منذ عقود، لكن الأحوال والأمور جرت عكس ذلك تماماً من حيث التلاعب والرشوة والفساد في أداء العمل، من دون حسيب أو رقيب، فقد تصرَّفت بعض القيادات في إدارتها للأموال وكأنها أموال خاصة، يتصرفون بها كيفما شاء لهم التصرف.. مثل تلك القيادات لا ترغب في وجود عناصر نظيفة في إدارتها، تريد الآخرين المحيطين بها من الفصيلة ذاتها، أو السكوت وإغماض العين على مبدأ أضعف الإيمان.. وهكذا، جرت الأمور طوال عقود، وما السرقات التي جرت في مكتب الاستثمار الكويتي في لندن إلا ضمن هذه الأفعال وبأيدي مثل تلك الكوادر التي عاثت فسادا في أموال الدولة.

مثال يحتذى

أحد المؤهلين من القياديين من ذوي الكفاءة والإخلاص والنزاهة تولى إدارة شركة استثمارية تابعة للدولة في الخارج منذ سنوات، وكانت طوال الوقت تدار من قِبل أجانب، بداية وصوله تخلص من عدد كبير من العاملين الكبار الأجانب، فقد انتهجوا سياسة «خلِ القرعة ترعى»، وكانوا يتقاضون مرتبات كبيرة، وأداؤهم كان متواضعا لا يذكر، فقد تعوَّدوا لسنوات على ذلك، بعدها عالج القضايا التشغيلية بشكل مهني عالٍ ولاتزال هذه المؤسسة تسير على أحسن ما يرام.. مثل هذه العناصر ليست حالة شاذة أو فريدة، فهناك أمثالها العديد على مستوى التأهيل المهني أو النزاهة والإخلاص.. لكن أصحابها لم يجدوا فرصا لهم، وأحيانا كانوا يشكلون عنصرا في الإدارة السيئة، تستلزم إبعادهم بأي طريقة، فلم يبقَ أمامهم غير الإحباط.

المربع الأول

وهنا نعود للمربع الأول، المتمثل بالنزاهة ومكافحة الفساد من أي اسم يحمله كائن من كان إذا كان القانون فوق الجميع.. لقد طافتنا فرص كبيرة، وفاتنا الوقت أكثر من مرة لإيجاد فرص أخرى، من أجل تنويع مصادر الدخل، ولعل أهمها استثمار الفوائض بصورة صحيحة وناجحة، ولكننا سرنا عكس التيار تماماً، وعندما ظهرت العيوب مع انخفاض أسعار النفط عادت المناداة من جديد.. وهي أقوال لن تتحقق، في ظل الظروف والأوضاع التي نعيشها.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *