الرئيسية » أحمد الجاسم » أحمد الجاسم : الأزهر وثقافة التكفير

أحمد الجاسم : الأزهر وثقافة التكفير

أحمد الجاسم
أحمد الجاسم

أثار بيان مؤتمر الأزهر «لمواجهة التطرف والإرهاب» جدلاً واسعاً لدى بعض المراقبين، حيث خلا البيان من تكفير صريح لأتباع تنظيم «الدولة الإسلامية»، على الرغم من ذمهم وتقريعهم.
فقد وصفهم البيان بـ «المبتدعة الذين قاموا بأفعال التطرف، وقاموا بكل ألوان الفساد، فالمتطرفون و(داعش) بغاة من ادعائهم الخلافة الإسلامية، وهم محاربون، فقاموا بإشاعة الفساد، وهتك الأعراض، وقتل الأنفس، ثم انتهوا إلى تكفير الأمة، فتحقق فيهم حد الحرابة والبغي، فهم أشد من بدعة الخوارج، وقتال المسلم كفر، وقد قتلوا المسلمين، وقد حكموا على أنفسهم بالكفر بأفعالهم…» ( «رأي اليوم» عدد الجمعة ١٢ ديسمبر).

فامتناع الأزهر عن تكفيرهم يرتكز على قاعدة إسلامية أصيلة، تقول «لا يحق لأحد أن يُكفر مسلماً يشهد الشهادتين، مهما تعاظمت ذنوبه»، وهو موقف تقدمي من مؤسسة الأزهر، فالمؤتمر عُقد أساساً من أجل محاربة ثقافة التكفير التي تجتاح العالم العربي من مشرقه إلى مغربه، فكيف يقوم المؤتمرون بتكفير مضاد يضعهم في خانة واحدة مع الخصم؟

في الحقيقة، لست بصدد تلميع موقف «الأزهر الشريف»، فهناك تحفظات كثيرة عليه، وانتقادات مستحقة، خصوصاً صمته عن فساد نظام مبارك ونهبه لمصر، وتغاضيه عما وقع من مجازر بحق المتظاهرين في ميداني النهضة ورابعة العدوية من دون أي استنكار!

لديَّ يقين أن البيانات الاستنكارية، التي تصدر من المؤسسات الإسلامية ضد الفكر الداعشي، بكل أطيافه، لن تحل أزمة «الإرهاب»، حتى وإن نعتوهم بالفرقة الضالة أو خوارج العصر، فالقضية أعمق وأعقد مما نتخيَّل ونتصوَّر، فهناك أبعاد تاريخية لنشأة التطرف في الفكر الإسلامي، حيث يرى المفكر والكاتب الراحل جمال البنا في كتابه «نعم للولاء.. ولا للبراء»، أن التطرف الإسلامي نشأ من ثلاثة روافد رئيسة:

أولها: ظهور حركة الخوارج عندما انشقوا من جيش علي بن أبي طالب – كرم الله وجهه – في معركة صفين، وتكفيرهم لمرتكب الذنوب الكبيرة، ثم زادوا عليها تكفيرهم لعلي ومعاوية وشيعتهما، فعمدوا إلى قتلهما فظفروا بالأول، وفشلوا مع الثاني، رافعين شعار «لا حكم إلا لله»، ولكن يجب التنويه بأن فرقة الخوارج تطورت وتفرعت أيضاً، فالإباضية اليوم تنتشر في عُمان، وهي من أكثر الفرق الإسلامية تسامحاً وقبولاً للآخر.

وثانيها: ظهور فكرة «الحاكمية الإلهية» على يد قادة الحركات الإسلامية، كالمودودي وسيد قطب، وتكفيرهما للمجتمع الذي لا يحكم بشرع الله، واعتباره مجتمعاً جاهلياً.

وثالثاً: ظهور الحركة السلفية الحديثة في شبه الجزيرة العربية بالقرن الثامن عشر، وإحيائها لفكر ابن تيمية وابن القيّم الجوزية، من أجل عودة الإسلام لمساره الصحيح – وفق فهمهم الضيق – ومحاربة البدع والشركيات، وقد مالت الحركة إلى استخدام العنف والغزو في دعوتها مع نمو الجيل الثاني «إخوان من طاع الله»، وتبلور عقيدة «الولاء والبراء» عند أتباعها، أي المحبة في الله والبغض لله منهاجاً في تعاملهم مع «الآخر»، سواء كان مسلماً، وفق مواصفاتهم يستحق الود والمناصرة والمعاونة، أم ضالا، مبتدعاً أم كافراً تجب محاربته وإقصاؤه.

إن تفكيك ثقافة التكفير وأنسنة الخطاب الإسلامي تبدأ من المسجد والأسرة والمدرسة والجامعة ووسائل الإعلام، وهي كلها مسيَّرة من قبل الحكومات، فهي المسؤول الأول عما وصلت إليه الأمور.

ولنكن أكثر دقة في تشخيص الأزمة، فالفكر وحده قد لا يصنع إرهاباً، إن لم يصاحبه حرمان وتهميش أو فقر وتخلف واضطهاد وقمع يدفع بالمرء إلى أن يكون داعشياً، وإن لم ينتمِ، أو تواطؤ جهة معينة توفر الدعم لهذه الجماعات المتطرفة لتحقيق مصالحها.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *