الرئيسية » إقتصاد » هل انتهى زمن «الدلع» الحكومي للمواطنين في انتقاء الوظائف؟

هل انتهى زمن «الدلع» الحكومي للمواطنين في انتقاء الوظائف؟

تقليص ميزانيات الوزارات والجهات يعني تقليل أعداد الوظائف خلال المرحلة المقبلة
تقليص ميزانيات الوزارات والجهات يعني تقليل أعداد الوظائف خلال المرحلة المقبلة

كتب إيهاب علام:
جاء إعلان ديوان الخدمة المدنية، أنه بصدد الإعلان عن دفعة ترشيحات للعمل في الجهات الحكومية خلال الأيام المقبلة، مطالباً المواطنين بعدم رفض الوظائف التي تعرض عليهم، ليطرح سؤالاً مهماً، هل انتهى عصر «الدلع» الحكومي للمواطنين في انتقاء الوظائف؟

يبدو أن هذا سيكون واقع الحال خلال الفترة المقبلة، مع عزم الكثير من الوزارات والجهات خفض ميزانيات التوظيف خلال السنة المالية المقبلة، تماشياً مع حالة الترشيد التي ستتبعها هذه الجهات بعد تقليص ميزانياتها، بعد التراجع الكبير لأسعار النفط، وما سيسببه هذا التراجع من تأثير على ميزانية الكويت للعام الجديد.

ووفق أرقام «الديوان»، بلغ عدد منتظري الوظائف الحكومية حتى الآن نحو 19 ألف مواطن ومواطنة، ويتراوح أعداد راغبي الوظيفة الحكومية منذ سنوات بين 15 و22 ألفاً، وغالبية هذا العدد حالات بطالة اختيارية، أي أن هؤلاء يرفضون الوظائف التي يتم ترشيحهم لها، انتظاراً لوظائف بعينها تكون في القطاع النفطي أو في جهات ومؤسسات ذات وضع مميَّز، أو أنهم يرفضون العمل نهائياً.

وطالب «الديوان» المواطنين ممن يرشحون للعمل في الجهات الحكومية باقتناص فرصة الترشيح، والالتحاق بالوظيفة، لأن الكثير من الجهات طلبت خفض ميزانيات التعيين، وكذلك تقليل طلبات ترشيحها للموظفين، مرجعة ذلك إلى الاكتفاء والتضخم الوظيفي في المكاتب والإدارات التابعة، كذلك عدم بقاء ميزانيات التعيين في السنوات المقبلة على ما هي عليه، مع التقليص المتوقع، بعد تراجع أسعار النفط، ومحاولة توجيه التركيز في التعيين إلى القطاع الخاص، من خلال برنامج إعادة هيكلة القوى العاملة والجهاز التنفيذي للدولة، لتخفيف العبء الوظيفي عن الدولة.

تحديات سوق العمل

وتواجه الكويت منذ سنوات تحديات كبيرة في عملية التوظيف، واختلالات في سوق العمل، وانخفاض نسبة العمالة الوطنية في إجمالي العمالة في القطاع الخاص، وتركز العمالة بشكل كبير جداً في القطاع الحكومي.. ووفق الإحصائيات، ارتفع معدل نمو الوظائف بالقطاع الحكومي سنوياً بمعدل حوالي 4.1 في المائة بداية من سنة 2009، وحتى عام 2012، بينما نمت الوظائف بالقطاع الخاص بمعدل 2.3 في المائة سنوياً خلال الفترة نفسها، وبلغ تركيز العمالة الكويتية بالقطاع الحكومي حتى الآن 78.6 في المائة من إجمالي العمالة الكويتية.

وبلغت هذه النسبة العالية جداً من تركز العمالة الوطنية في القطاع الحكومي نتيجة لتطبيق سياسات حكومية خاطئة متراكمة منذ سنوات في عملية التوظيف تقوم على توظيف كل العمالة الوطنية في القطاع الحكومي، وفقاً لمفهوم دولة الرفاه والرخاء التي تلتزم بتوفير فرص العمل لجميع مواطنيها، وعدم الاعتماد على الأداء الإنتاجي، كمقياس للكفاءة، وهو ما أدَّى إلى تضخم كبير في أعداد العمالة بالقطاع الحكومي، وتكريس متزايد لنظرية الاعتماد على الحكومة في مجال التشغيل، ورفض العمل في القطاع الخاص، نظراً للمزايا الكبيرة التي يحصل عليها موظفو الحكومة، بل وصل الأمر إلى تمييز جهات حكومية بعينها عن الأخرى برواتب وأجور مرتفعة وحوافز وميزات وعلاوات وظروف عمل ميسرة، وهذا الأمر تحديداً ساهم في خلق بطالة اختيارية طواعية بين منتظري الوظائف الحكومية، تفضيلاً للعمل في جهات من دون غيرها للاستفادة من المزايا التي تمنحها هذه الجهات.

ومع تركيز العمالة في القطاع الحكومي وجدنا على مر السنوات تضخما كبيرا في بند الأجور والرواتب، وما في حكمهما في الميزانية العامة للدولة، وارتفعت الأجور والرواتب من نحو 7.4 مليارات دينار في عام 2011/2010 إلى 10.4 مليارات دينار في عام 2014/2013 ، بمعدل ارتفاع سنوي وصل إلى 13.7 في المائة، وهو ما يعني عدم استدامة النمو في الباب الأول من الموازنة.

منافسة غير متكافئة

ولم يتوقف الأمرعند هذه الحدود، بل ساهمت المزايا المتعددة للوظيفة الحكومية في نفور العمالة الوطنية من العمل في القطاع الخاص.. ولعل التحدي الأكبر في الاختلالات الهيكلية التي يعانيها سوق العمل في الكويت، إلى جانب ما سبق، هو وتيرة الاتساع في الفجوة بين أجور القطاعين العام والخاص، وهو ما جعل الشباب يفضل البطالة لسنوات وسنوات على العمل في القطاع الخاص، يضاف إلى هذا أن النسب المفروضة من العمالة الوطنية وفق القانون في القطاع الخاص لم يتم الامتثال لها في بعض القطاعات، بالإضافة إلى الالتفاف على هذه النسب من بعض المؤسسات والشركات في القطاع الخاص، وهو ما أدَّى إلى الإخفاق الكبير في تحقيق أي إصلاح في سوق العمل، لذا، فإن السياسة الحكومية في التوظيف الحكومي والمزايا الكبيرة جداً للوظائف الحكومية يجب تغييرها لاستحالة استدامة الوضع، كما هو خلال ما هو قادم من الزمن.

ومن التحديات الأخرى، التي ظهرت خلال السنوات السابقة في سوق العمل، التحول في هيكل البطالة إلى «بطالة المتعلمين».. فعلى الرغم من استهداف الخطط التنموية السنوية توفير فرص عمل لذوي المؤهلات العليا، فإن البيانات تؤكد تحول هيكل البطالة إلى بطالة متعلمين، حيث ارتفعت نسب المتعطلين من ذوي المستويات التعليمية الأعلى من الثانوي والجامعي من 1.5 في المائة عام 2009 إلى 14.8 في المائة عام 2013، في حين انخفضت نسب المتعطلين من حملة المؤهلات أقل من الثانوي من 96.1 إلى 60.7 في المائة خلال الفترة نفسها.

دعم العمالة.. مشكلة

أما المشكلة الثانية التي ستواجهها الكويت مع تراجع أسعار النفط، وتخفيض الميزانية العامة للدولة، هي استحالة استمرار منظومة دعم العمالة بالقطاع الخاص، فقد حذرت تقارير اقتصادية من أن برنامج دعم العمالة الوطنية يعد بمنزلة قنبلة موقوتة، إذ يكلف الخزينة العامة ما يقرب من 500 مليون دينار سنوياً لتشجيع العمل في القطاع الخاص، الأمر الذي يمثل تحدياً آنياً ومستقبلياً، بالإضافة إلى سوء استغلال نظام دعم العمالة وضعف الجهاز الرقابي عليه، ما أدَّى إلى ظهور الوظائف الوهمية في القطاع الخاص، وبالتالي، فإن الحكومة إذا كانت ترغب في تخفيض المصروفات في الباب الأول، فعليها إعادة النظر بشكل جذري في قانون دعم العمالة، وإيجاد آلية لدعم المواطنين للعمل في القطاع الخاص، بحيث تتوافر فيه شروط الدعم الصحيح.

ولاشك أن ارتفاع كلفة وحجم الإنفاق المالي على الرواتب ودعم العمالة يشكل عبئاً كبيراً على العوائد النفطية التي تراجعت مع انخفاض أسعار النفط، وهذا النهج إذا استمر على ما هو عليه، فإنه يعمق استمرار النهج المالي المخل لموازنة الدولة، الذي يغلب عليه اتخاذ قرارات ذات طابع سياسي بعيدة كل البعد عن الحلول الاقتصادية الواقعية.. فعلى الرغم من الفوائض المالية الكبيرة التي حققتها الدولة خلال السنوات الماضية، فإن الاستمرار في الزيادة المضطردة للانفاق العام سيؤدي إلى عجز تراكمي مضطرد يفوق قيمة الاحتياطي العام، ومحفظة الأجيال القادمة.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *