الرئيسية » إقتصاد » تثبيت تصنيف الكويت السيادي.. لا يعني الأمان الاقتصادي

تثبيت تصنيف الكويت السيادي.. لا يعني الأمان الاقتصادي

توقعات «فيتش» غير دقيقة ومحل شك
توقعات «فيتش» غير دقيقة ومحل شك

كتب محرر الشؤون الاقتصادية:
لا أحد يستطيع أن ينكر أن التصنيفات الإيجابية لأي دولة أو مؤسسة من قِبل الجهات الاقتصادية الكبيرة يعطيها قوة وثقة، عالمياً، ولكن بالتأكيد هذه التصنيفات لا تعني أن هذه الدول أو المؤسسات في مأمن، وبمعزل عن الهزات الاقتصادية، أو التقلبات الاقتصادية العالمية.

وما حظيت به الكويت من تصنيف من وكالة «فيتش»، بتأكيد تصنيفها الائتماني السيادي لعام 2014 عند المرتبة ( A-A) مع نظرة مستقبلية مستقرة، لا يعني أن الكويت في أمان تام، وأنها لن تصل مطلقاً إلى العجز المالي، الذي أصبح قاب قوسين أو أدنى من الميزانية العامة.

فقد بينت الوكالة في البيان الذي نشرته على موقعها الإلكتروني مطلع الأسبوع الجاري، أن هناك محورين رئيسيين لإعطاء هذا التصنيف للكويت، الأول يتمثل في محركات التصنيف الرئيسة، والمحور الثاني يتمثل في حساسية التصنيف، مبينة أنه بخصوص المحور الأول – محركات التصنيف- فإن الكويت تتمتع بمرونة مقابل الانخفاض في أسعار النفط الذي حدث في النصف الثاني من عام 2014، مشيرة إلى أن نصيب الفرد من الإيرادات النفطية المرتفع جداً ولَّد فوائض مالية كبيرة في الموازنة العامة والحساب الجاري خلال الأعوام الماضية، متوقعة أن تستمر تلك الفوائض عند نحو يزيد على 20 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لغاية عام 2016، وذلك على الرغم من احتمال انخفاض الأسعار العالمية للنفط.

 أما عن المحور الثاني، المتمثل في حساسية التصنيف، فقالت «فيتش» إن التوقعات مستقرة بشأن التصنيف، وذلك نتيجة توازن المخاطر بشكل جيد حالياً.. ووفقا لتوقعات أسعار النفط، ستستمر الكويت في مراكمة الأصول، ومواصلة تعزيز قدرتها على التعامل مع الصدمات الاقتصادية.

توقعات غير دقيقة

توقع الوكالة أن تحقق الكويت فوائض مالية بما يزيد على 20 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لا غرابة فيه، إذا علمنا أن الوكالة قدرت سعر برميل النفط التوازني في الموازنة العامة عند نحو 48 و40 دولاراً للبرميل على الترتيب في ميزانية عام 2014، وعام 2015، وهذا أمر مخالف للواقع تماما.. فميزانية العام المالي الحالي يقدر سعر التعادل فيها بـ 75 دولاراً للبرميل.. وبالنظر إلى أسعار النفط  الكويتي التي تراجعت إلى 52 دولاراً للبرميل، يصبح العجز أمرا محتملا، على اعتبار أن الأسعار خلال النصف الأول من العام كانت أعلى من سعر التعادل، ومن هنا يمكن أن يحدث توازن بين الفائض الذي تحقق في النصف الأول والعجز المحتمل خلال النصف الثاني.. أما خلال العام المقبل، والذي ذهبت الترجيحات فيه إلى أن الحكومة ستخفض سعر التعادل في الميزانية إلى 60 دولاراً، بعد تراجع أسعار النفط، وفي حال استمرار أسعار النفط على ما هي عليه الآن عند 50 دولاراً للبرميل (التوقعات تشير إلى مزيد من التراجع)، فإنه في هذه الحالة سيكون العجز مؤكدا، وبالتالي توقع «فيتش» تحقيق الكويت فوائض مالية خلال العام المقبل غير دقيق.

دعم تصنيف الكويت

 أما في ما يخص المحور الثاني، وتأكيد الوكالة أن وضع الموازنة العامة القوي بشكل استثنائي، المستند إلى الأصول السيادية الخارجية الصافية المقدرة بنحو 269 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في نهاية عام 2014، هو الداعم الرئيسي لتصنيف الكويت الائتماني، فهي محقة بهذا الأمر تماماً، حيث إن الأصول السيادية الخارجية داعم بلا شك للموازنة الكويتية، ولكن في حال تواصل العجز المالي لسنوات متتالية، فالمؤكد أن الكويت ستلجأ لتغطية هذا العجز من هذه الأصول، أو من خلال الاحتياطي العام ومحفظة الأجيال القادمة، وهذا سيؤدي إلى تآكل الاحتياطي العام وهذه الأصول.

الإنفاق الرأسمالي

وقد بنت الوكالة توقعاتها بتحقيق الكويت فوائض في الميزانية خلال العام الحالي والعام المقبل على أساس تراجع الإنفاق الرأسمالي في الميزانية، مؤكدة «أن الإنفاق العام الرأسمالي للدولة منخفض أيضا، ويبلغ نحو 10 في المائة من إجمالي الإنفاق العام، ويعادل ثلث النسبة المقابلة للدول المقارنة في المنطقة»، ورغم صدق الوكالة في هذا الأمر، فالإنفاق الرأسمالي في الميزانية لم يتعدَ الـ 10 في المائة من إجمالي المبالغ المرصودة في الميزانية، وهو ما يعني توفير نحو 90 في المائة من هذه الأموال، وبالتالي، فإن هذه الأموال تغطي أي عجز متوقع، ولكن هذا بلا شك أمر كارثي، فهو يعني عدم الإنفاق على مشاريع تنموية واقتصادية، وحصر الإنفاق على الرواتب والأجور والدعومات، ما يعني تراجع الكويت اقتصادياً عاماً بعد الآخر، ومزيدا من الاعتماد على النفط كمصدر وحيد للدخل، في الوقت الذي ينادي فيه الجميع بضرورة التنويع الاقتصادي للخروج من مأزق تقلبات أسعار النفط، كما أن هذا يعني مزيداً من التدهور في كافة المجالات والخدمات، وهذا كله بلا شك ليس في صالح الكويت الآن ومستقبلاً.

هذا الأمر أكدت عليه الوكالة نفسها في التقرير ذاته الذي نشرته، حيث أشارت إلى أن «الكويت تعتمد اعتمادا كبيرا على الموارد النفطية، حيث يشكل القطاع النفطي جزءا كبيرا من الناتج المحلي الإجمالي، والجزء الأكبر من إيرادات المالية العامة والحساب الجاري»، مؤكدة أن لدى السلطات الكويتية أدوات سياسة اقتصادية محدودة، في حين تمتلك مصدات مالية ضخمة تخفّف من آثار تقلبات أسعار النفط، مبينة أن العوامل الرئيسة التي قد تؤدي بشكل فردي أو جماعي إلى التأثير على تصنيف الكويت بشكل سلبي تتمثل في انخفاض مستمر في أسعار النفط يؤدي إلى تآكل المصدات المالية الخارجية، أو امتداد صدمة جيوسياسية إقليمية تؤثر في الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، والأمر الأول نسبة تحقيقه ترتفع يوماً بعد الآخر.

توجهات سياسية

إن الأمر المؤكد أن كثيرا من التقارير الاقتصادية لمؤسسات عالمية، وعلى الرغم من أنها مبنية على أرقام فعلية، فإن الكثير منها تكون لها توجهات سياسية بجانب التوجهات الاقتصادية، ولنا في تقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي المثل والعبرة.. فعلى الرغم من أن تراجع أسعار النفط وضع الكويت في موقف حرج، باعتراف الحكومة نفسها، فإن بعض تقارير هذه الجهات لا تزال تؤكد أن الكويت في مأمن من تراجع النفط، وهذا الأمر مغاير للواقع.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *