الرئيسية » قضايا وآراء » عبد الله النيباري : بعد عامين على الربيع العربي:الأمن والديمقراطية.. معركة مستمرة

عبد الله النيباري : بعد عامين على الربيع العربي:الأمن والديمقراطية.. معركة مستمرة

عبدالله النيباريعامان انقضيا على اجتياح عاصفة الربيع العربي معظم أقطار الأمة العربية، أسقطت أنظمة حكم متسلطة جثمت على أنفاس شعوبنا العربية عقوداً متوالية من الزمن منذ عام 1970، وأنعشت الآمال ببزوغ فجر جديد في انتفاضة واستئناف الشعوب الخطى نحو النهضة واللحاق بركب التقدُّم وبناء أنظمة ديمقراطية تضمن حقوق المواطنين في المشاركة الفعالة في صُنع القرار، في كل ما يتعلق بالشأن العام، وتحريك عجلة التنمية، وتحقيق العدالة والمساواة.

لكن المسار لم يكن ممهداً، ففي بعض الأقطار مازالت الشعوب تدفع ضريبة الدم، لتغيير النظام، كما هي حال سوريا، وبعضها تواجه التهديد بعودة الهيمنة والانفراد بالسلطة، كالحالة التي تمر بها مصر، والأقطار الأخرى ليست أفضل حالاً.. فهي إما أنها تواجه صعوبات ترتيب أوضاعها بصياغة دساتير وأنظمة انتخابية، كحالة تونس وليبيا واليمن، أو أنها مازالت تطالب أنظمة الحكم بقبول برامج إصلاحية جادة، وهي حال بقية الأقطار العربية.

وتستقطب حالة سوريا ومصر الاهتمام على المستوىين الإقليمي والعالمي، لارتفاع حدة الصراع السياسي فيهما، وإن اختلقت درجة الحدة، بحكم موقعهما في قلب المنطقة، وثقلهما الاستراتيجي، وعلى الأخص في مواجهة إسرائيل، عدو العرب الأول.

سوريا

ما يعانيه شعب سوريا حالة نادرة، إن لم تكن فريدة في تاريخ البشرية، فلم تشهد البشرية قيام حاكم بشن حرب على شعبه بهذه البشاعة، كما يفعل بشار الأسد، مستخدماً الطائرات المقاتلة والصواريخ والبراميل المتفجرة في قصف المدنيين في جميع المدن السورية.

بدأت الثورة في سوريا بتظاهرات سلمية في درعا ودمشق، تطالب بإصلاحات سياسية تخفف وتقلص من قبضة عائلة الأسد على السلطة، التي امتدت لأكثر من أربعين عاماً، وأسست لنظام توارث السلطة، وشاع الفساد، واحتكر الأنساب والأقارب مصالح البلاد والعباد.
لم يستجب النظام للمطالب، ولجأ لاستخدام العصا الأمنية، ابتداءً بتصدي «الشبيحة» للتظاهرات، ثم قوى الأمن، إلى أن وصل لقصف المدن بأحدث الأسلحة الفتاكة.
لم يُجدِ تدخل الجامعة العربية ولا الأمم المتحدة في الضغط على بشار الأسد، لإيقاف ضرب المدن وحماية المدنيين وسحب الأسلحة من المدن.

كما لم تثمر جهود كوفي أنان، ومن بعده الأخضر الإبراهيمي، في تطبيق قرارات جنيف، التي وافقت عليها روسيا والولايات المتحدة، بتشكيل حكومة مؤقتة لها كامل الصلاحيات، والإعداد لانتقال السلطة بطرق سلمية.

فقد لجأ النظام السوري إلى المماطلة، ثم الرفض، متهماً المعارضة بأنها مجاميع إرهابية تنفذ أجندات أجنبية، لتعويض نظام الممانعة والمقاومة في مواجهة إسرائيل، كما جاء في خطابه أمام الجوقة التي جُمعت في قاعة الأوبرا بدمشق.

حصيلة العنف الوحشي الذي مارسه الأسد، كما جاء في تقرير الأمم المتحدة 60 ألف قتيل، معظمهم من المدنيين، و800 ألف لاجئ في دول الجوار، ومليون و200 ألف مهجرين، وحوالي مليونان ونصف المليون بحاجة للمساعدة، هذا إلى جانب عشرات الألوف من المعتقلين والمفقودين وتعرُّضهم لأقسى صنوف التعذيب.

شعار بشار الأسد لن يُسلم السلطة إلا بتحويل سوريا إلى ركام، محتمياً بدعم إيران ومساندة روسيا، التي تطلق إشارات متضاربة، فمرة تقول بأنها لا تتمسك بالأسد، ومرة بأنها لن تقبل إزاحته

بضعوط خارجية.

حاجة الشعب السوري الماسة حالياً، هي الإغاثة والعون، لتوفير مستلزمات الحياة، لمواجهة عنف الطبيعة والبرد القارس، إضافة إلى دمار الأسد.

أما تزويد قوى الثورة بالسلاح، فيواجه بموقف القوى الدولية، وخصوصاً الولايات المتحدة، وتخوُّفها من سقوط الأسلحة بأيدي القوى المتشددة، وقلقها من احتمالات تفجُّر الصراعات المذهبية والأمنية.

مصر

كانت ثورة الشعب المصري لإسقاط نظام مبارك نموذجاً للكفاح السلمي، لكن التحوُّل إلى نظام ديمقراطي تأرجح من أزمة لأخرى. ففي البداية، واجه تخبُّط حكم العسكر (المجلس الأعلى للقوات المسلحة)، الذي تسلَّم السلطة من حسني مبارك، وتعاون العسكر مع الإخوان.

وبعد نجاح الإخوان في انتخابات مجلسي الشعب والشورى، ثم في رئاسة الجمهورية، فإن المشهد السياسي مشتعل، وفي أقصى درجات الاستقطاب، وتحوَّلت الساحة من احتفال بعيد الثورة إلى ثورة شعبية، احتجاجاً على هيمنة الإخوان على الدولة، فيما يسمى ببرنامج النهضة، التي لم تقتصر على ميدان التحرير، بل شملت المحافظات المختلفة والمدن الكبرى، وعلى الأخص الإسكندرية وبورسعيد والإسماعيلية والسويس.

الاحتجاج بدأ ضد قرارات مرسي بإصدار الإعلان الدستوري في 22 نوفمبر 2011، مانحاً نفسه صلاحيات واسعة لم يحظَ بها حسني مبارك من قبل، بتحصين قراراته من الطعن أمام القضاء، كما حصن قرارات مجلس الشورى، الذي كان مهدداً بالحل في حال صدور حكم بحله من المحكمة الدستورية التي تنظر في وضعه.

وكان لقرار مرسي، بإقالة النائب العام، وتعيين نائب عام جديد بقرار جمهوري، اعتبره مجلس القضاء الأعلى تعدياً على صلاحيته في تعيين النائب العام، ما أدَّى إلى الصراع مع القضاء، وفي الوقت نفسه استعجل مجلس الشورى إقرار مشروع الدستور في ماراثون ليلي استمر 16 ساعة.

فقد احتج القضاة وأعلنوا رفضهم المشاركة في الإشراف على الاستفتاء على الدستور، ما أدَّى إلى إجراء الاستفتاء على مرحلتين، كل مرحلة تشمل نصف المحافظات

وعندما انفجرت التظاهرات في ميدان التحرير وأمام قصر الاتحادية، أعلن مرسي قبوله إجراء حوار مع قوى المعارضة، التي رفضت بدورها المشاركة في الحوار وعدم القبول بالحوار من أجل الحوار فقط، إذ درج الإخوان في كل مرة يواجهون الرفض الشعبي بإطلاق دعوة للحوار مع المضي في برنامج الإمساك بمفاصل الدولة بأسلوب «تمسكن حتى تتمكن»، والموقف نفسه تكرر في التظاهرات الشعبية الواسعة بمناسبة 25 يناير.

الرئيس مرسي وأبواقه يتبنون منطقاً مزدوجاً، فهم يتهمون المعارضة بأنها لا تريد الاستقرار الذي تحتاجه مصر، وأنهم ينفذون أجندات خارجية، وأنهم يتعاونون مع الفلول من جماعة مبارك لإسقاط الثورة، وفي الوقت نفسه يدعونهم للحوار!يتذرع الإخوان في هجومهم على المعارضة بأنهم وفروا الغطاء السياسي لأحداث العنف التي حصلت في بورسعيد والسويس، وحالات حرق مراكز الإخوان في بعض المناطق.

استخدام العنف غير مقبول ومدان، والمعارضة أعلنت أنها تنادي بالتظاهرات السلمية، والجسم الأعظم منها التزم بالسلمية.

ولكن في حالات الانفجار الشعبي، كما هي الحال في مصر الآن، لأغراض سياسية، احتجاجاً على دكتاتورية الإخوان، أو لأسباب اجتماعية واقتصادية، بسبب الغلاء واتساع رقعة الفقر وتراجع وضع الاقتصاد، وانخفاض سعر صرف الجنيه

المصري.

يردد المتحدثون باسم الأخوان وأبواقه بأنهم يحكمون بشرعية نتائج صندوق الانتخاب، في حين أن نتائج انتخابات الرئاسة هذه تقول بأن مرسي حصل في اتلجولة الأولى على خمسة ملايين صوت أي بنسبة 10 % من إجمالي الناخبين البالغ 51 مليون ، وفي الجولة الثانية حصل بفضل جزء كبير من أصوات المعارضة المعترضة ضد منافسه أحمد شفيق آخر رئيس وزراء نظام حسني مبارك على 13 مليون صوت ، أي 25 % من إجمالي أصوات الناخبين. ويجادل الأخوان المسلمون بأن الاستفتاء على مشروع الدستور واقف عليه 63% من المشاركين.

ولكن الأرقام تقول بأن عدد الموافقين 11 مليوناً، بنسبة 21.5 في المائة من الناخبين، والعرف بأن الدساتير لا تقر بخمس عدد الناخبين، بل تكون نتيجة توافق، فالدستور يؤسس لكيان الدولة، ويشترط لتعديله عادة موافقة الثلثين.. لذا، فإن ادعاءات الإخوان بشرعية الصندوق ضعيفة

آخر صنوف هيمنة الإخوان، هي إعلان الرئيس مرسي فرض حالة الطوارئ وإعطاء الجيش صلاحية القبضية القضائية، في حين أنه أعلن سابقاً عن رفضه حالة الطوارئ.

اشتعال الساحة المصرية في القاهرة العاصمة وفي المحافظات، هو رد فعل جماهيري غاضب ضد سياسة الإخوان في الهيمنة على مفاصل الدولة وأدائهم الاقتصادي، ودعوة الإخوان للحوار مع قوى المعارضة غير مجدية، فالمعارضة ترفض الحوار من أجل الحوار، فيما يمضي الإخوان في مخططهم، غير آبهين كما قال أحد زعمائهم «إن الرئيس يمارس صلاحياته السياسية، ولا يلتفت إلى المناكفات السياسية، ومن يرفض الحوار فهذا شأنه»، يعني «احنا نعمل اللي عايزينه».

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *