الرئيسية » قضايا وآراء » محمد جاد : هيئة الجنة والنار

محمد جاد : هيئة الجنة والنار

محمد جاد
محمد جاد

قرار الأزهر الأخير، باعتبار «داعش» فئة تخرج عن دائرة الكُفر، بما تمثله مؤسسة الأزهر، بكونها الراعي الرسمي للإسلام الوسطي المُعتدل، فهي بذلك نظرت بعين الرأفة والمرحمة إلى هذه الفئة الضالة.. فحتى لو كانت عاصية، إلا أنها تخرج ببركة الوسطية عن دائرة الكُفر. وربما هذا القرار يبدو من الوهلة الأولى مُجحفاً، وخاصة أن مؤسسة الإيمان أصدرت أحكامها من قبل على العديد من المفكرين بهذه التهمة التي تتيح لأي شخص ينتمي إلى دار الإسلام بأن يقتص من الأعداء، الذين أصبحوا ينتمون إلى دار الكُفر.

وبما أننا في دولة مؤسسات، فالأمر تم إيكاله إلى القضاء، هذا القضاء الذي فرّق بين نصر أبوزيد وزوجته، نتيجة اتهامه بالردة، وأدَّى بأحد المهاويس بمحاولة التخلص من نجيب محفوظ، والتهم التي ظلت تلاحق طه حسين حتى الآن، وانتهى الأمر بقتل فرج فودة، نتيجة فتوى التكفير التي صدرت ضده.

تاريخ طويل مُشرّف من وجهة نظر حُماة الدين والأخلاق والأمن والسِلم الاجتماعي، وهو ما جعل البعض ينتفض أمامهم ويعاود الانتفاض كلما تأتي موجة تكفير جديدة، كان آخرها شيخ من شيوخ الأزهر صرّح بكُفر أحد مناظريه ــ سيد القمني ــ على إحدى القنوات الفضائية، وثار البعض وهاج لما فعله الشيخ الرسمي، والمنتمي للمؤسسة العريقة في المُحافظة على الإيمان.

الأمر في حقيقته لا يُثير الدهشة، وخاصة أن المؤسسة المُبجلة نشأت في أحضان السُلطة، وبأمر رسمي منها، وأنها تابعة لها، تسير على صراطها غير المُستقيم.

فالأمر ليس سوى جس نبض في مواجهة فرق أخرى متأسلمة تستعد على الساحة السياسية الآن، وتريد لها موطئ قدم، فماذا سيكون رد الفعل؟.. هذا من ناحية، أما الناحية الأخرى، فيبدو في إظهار الرأي الحُر لمؤسسة الاعتدال الديني في مواجهة السلطة الحاكمة في البلاد، للدلالة على ديمقراطية هذه السلطة، التي تحارب «داعش» وأشباهها ــ ولو بالكلام والتصريحات الفضائية ــ وأن يكون لهذه المؤسسة سابقة ديمقراطية سيتم استخدامها عند الضرورة من قِبل السلطة الرسمية، الراعي الحتمي لأصحاب العمائم في مواجهة الجميع، وخاصة أن الأمر أصبح يتعلق بدخول أحد الجنة والزج بآخر في النار. إضافة إلى تحسب انقلاب ميزان القوى، فالأزهر وناشرو الدين على أرض الواقع ــ «داعش» وأشباهها ــ يستظلون بمعاهدة صلح تتم الآن أمام الجميع، الذي يتم إلهاؤه الآن بمثل هذه المزحات السخيفة. فالحديث إذن عن فريق يدخل الجنة وآخر مأواه النار هو حديث يُثير السخرية أكثر من أن يؤخذ بجدية، فمن الممكن أن يصبح حكاية من قبيل حكايات الأطفال الخرافية، وستصبح كذلك بعد وقت ليس ببعيد.
أما رُعاة الوسطية الرسميون ومَن يسير في ركابهم، فهم في غيّهم يعمهون.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *