الرئيسية » آخر الأخبار » فيصل الحبيني: ممارسة الكتابة تتطلب انحناءة من الكاتب أولا

فيصل الحبيني: ممارسة الكتابة تتطلب انحناءة من الكاتب أولا

فيصل الحبيني
فيصل الحبيني

حوار: هدى أشكناني
كاتب شاب صدر كتابه قبل أسبوع في معرض الكويت للكتاب الدولي، ومُنع من قِبل الرقابة، نصوص تأملية سردية.. تتقارب كتابته لمفاهيم فلسفية، يعتمد على فكرتين، هما العدم والوجود.
«الطليعة» التقت الكاتب الشاب فيصل الحبيني، لتتعرف على جوانب كتاباته التأملية.. عن الوجود والعدم تحدث إلينا:

● الأشياء تعرف بأضدادها، الوجود والعدم نقيضان أزليان، ما الرابط بينهما؟
– أظن أن «غياب العدم» عبارة أدق لما نسميه الوجود، العدم هو الحاضر دائما، والوجود هو الحدث الطارئ، حتى الحياة اليومية، يحدثُ أن تتخللها الكثير من شوائب العدم، كالنوم والساعات الضائعة في اللاشيء، العدم يتخلل وجودنا أكثر مما نتصور.

● قيل إن «مهمة تغيير العالم تسند للشعراء والفلاسفة».. أين أنت من تلك المهمة؟
– لا يثيرني هذا الأمر، أظن أن كل هذا السوء في العالم لم يأتِ إلا من تلك الرغبات البطولية الرومانسية في تغيير العالم. مشكلتنا الأساسية كانت في قناعتنا بأن هذا هو دورنا الطبيعي على الأرض. الطبيعة التي خلقها الله لا يتخللها الشر، ولكننا بلا شك مصدر كل هذه الشرور.

الكتابة والموت

● يقول سيوران إنه يكتب كي يموت على طريقته هو.. كيف يمكن أن تكون الكتابة موتاً؟
– ممارسة الكتابة تتطلب انحناءة من الكاتب أولًا، تأمل في صفحة فارغة بدلا من مواجهة العالم، اعتراف بالعجز عن الصراخ والرفض.. نعم في الكتابة موت، ولكنه أجدر بكثير من الحياة.

● يقول الشاعر السويدي جونار إيكيلوف: «أعطني سماً زعافاً لأموت أو أحلاماً لأحيا».. إلى أي مدى يمكن أن توازي أحلامنا حياتنا؟ وكيف تقدر الأحلام أن تصنع حياتك؟
– ما الفرق بين ما يحدث في الحقيقة، وما يحدث في الحلم؟.. كلها ستصبح ذكريات في نهاية الأمر. وكلاهما سيترك الأثر ذاته. أساس الحياة والحلم واحد، كلها رؤى، ولكن ما يجعل الحياة أكثر واقعية هو رصدنا لها، وعجزنا عن القبض على الآخر.

● أيهما أعظم.. الموت أم الحياة؟
– الحياة، لأنها فرصة تجعلنا نعي كم كنا محظوظين بموتنا قبل المجيء، وبالتالي يفاقم اشتياقنا للعودة، الحياة فرصة سريعة لتقدير وضعنا الأبدي.

لغز الحياة

● يقول سلفادور دالي «الموت هو الشيء الذي يخيفني كثيرا.هي الصعوبة الوحيد الكبيرة التي أقبلها بكد».. هل الموت يعد معادلاً حقيقياً للأشياء المطلقة في الحياة؟
– أظن أن حياة المرء منذ الولادة، هي عملية موت مستمرة، لا تتوقف. ثمة شوق بيولوجي نحو الموت، ولهذا نكبر وننضج. هو الهدف الأسمى والمنتهى، ومما يثير السخرية أن يقولوا لك: ابقَ دائما على قيد الحياة، ولكن إلى متى؟ حتى تموت، وتتخلص من هذه المسؤولية الثقيلة.

● من أنت؟
– من أنا لأجيب عن هذا السؤال؟ أظن أن ما يجعل الحياة محتملة، هو أننا لا نعرف أنفسنا جيدا بعد، وإن فعلنا، ذات يوم بعيد، فما الذي سيتبقى حينها؟ العالم غير جدير بالمعرفة، لا شيء جدير بها، وحدها الذات هي اللغز الأهم، والجديرة بالاستقصاء، ولكني إن اضطررت إلى الإجابة، بما أعرفه عن نفسي جيدا حتى الآن، فأنا فيصل، لا أملك شيئا، ولا أريد شيئا.

.. و في كتابه «كائن يمرح في العدم»
يغرق في اليأس التماسا للأمل

عن دار مسعى للنشر والتوزيع، صدر كتاب الكاتب الشاب فيصل الحبيني (كائن يمرح في العدم)، وهو عبارة عن نصوص سردية تأملية، قسّمها إلى أربعة فصول مرتبة كما يلي: (وجود، غبار، ملل، عدم).
الكتاب يقع في 100 صفحة من القطع المتوسط، يقدم فيه الكاتب تجربة جديدة في نسج نصوص تأملية، وهو ما نستنتجه من الفصول الأربعة التي اختارها.. في الفصل الأول (وجود) يبدأه بعبارة: «السلام عليك أيها العالم»، وهي رسالة مطولة، يقدم الحبيني عتبه الكبير على العالم، مفصلا في ذلك، منذ بدء الخليقة حتى اليوم، حيث بدأ باستحضار بدايته كطفل.. ففي مقطع ملفت يدعوك للتأمل يقول: «لقد كانت ولادتي أول خطواتي نحو الموت، أيها العالم لقد دخلتك فرداً، فكيف صرتُ الآن حشدا؟». (ص11)

الحلم

يُكمل الحبيني استحضاره لمشاهد رجالات السماء والأنبياء، ليأتي ذكر سيدنا آدم وهبوطه من الجنة، سيدنا نوح والطوفان، سيدنا المسيح وتسامحه، حتى يصل المشهد إلى الوضع الآن، وكيف هو – عن العالم – عرين للقتلة والسفلة!
بعد كل مشاهد القتل والذبح، مازال الحبيني محكوما بالأمل، فيقول: «ولكن لأننا لا نملك إلا أن نحلم، لإغاظتك أيها العالم، فسنحلم، حتى لو كان الحلم دوراناً أبدياً، سندور إذا وندور، حتى تجيء لحظة التجلي، وسنحلم، لن نصمت أيها العالم، لن نجعل من هذه الأرض قاعة انتظار هائلة لسيادة الموت». (ص14)

الغبار

يُكمل الحبيني ما بدأه بالفصل السابق، في الفصل الثاني (غبار)، فيتساءل: «لماذا كلما اتضحت الرؤية جاء الغبار؟».
ويشبه الاحلام بالغبار، فيقول: «الأحلام غبار، فتات لعين في جيب الجفن، يحول بيننا وبين النظر في ما حولنا، يمنعنا من رؤية الأشياء والتمتع بجمالها». (ص34)

السأم

يتجاور مفهومي اليأس والأمل بشكل كبير في نصوص الحبيني، فتجده تارة يقفز نحو مفهوم اليأس وانعدام الصلة بالحياة والوجود، وتارة أخرى يتحوَّل هذا الكم/الثقل البائس إلى أمل مفاجئ، وهو ما يولد في نفسك إحساسا غريبا وتناقضا لذيذا!

في فصل (ملل) تضطر لأن تتعايش مع كمية كبيرة من السأم والإحساس بعدم الجدوى، حيث يفتتح الفصل بالكلمة الأولى (ملل)، وهي كفيلة بأن توحي لك بكآبة المشهد:

«الأحد، كالثلاثاء، والإثنين كالأربعاء، والجمعة كالسبت.. العمل روتيني، متكرر، ثقيل.. مكاتب متشابهة، وهواتف لا تتوقف عن الصراخ». (ص53)

ينتقل بعدها لمشهد الصحف، ثم التلفاز، الخروج والتنزه، الوقوف عند البحر، الكتابة.. الخ، أشياء نمارسها بشكل اعتيادي وطبيعي، نكتشف بعدها أن كل ما نقوم به محض ملل، أن الأشياء تتشابه في ما بينها، وتكتشف أن العالم عدو:

«إن العالم عدو، والعيش عدو، والحياة مرض.. اسكن باطنك، ولا تخرج، فالحرب في الخارج ولا سلاح لديك». (ص65)

يفرد الحبيني قسما أكبر – نسبيا- للفصل الأخير (عدم)، يبدأ الفصل بالزمن، الرابعة فجراً:

«آه، ما أجمل كل هذا! أبغض الفجر، لأنه يغويني، ويروّعني بمال الحياة، أبغضه، لأني ضعيف أمامه، لا أصده وهو يستل من داخلي كل السأم الذي يسكنني، يبث بباطني شعورا سماويا، يبعث روحي جديدة كالنور». (ص75)

الموت

يكتب فيصل الحبيني عن الموت والموتى:
«أولئك الذين يتمنون الموت، هم ذاتهم الذين يحبون الحياة». (ص84)

يصف الموتى بثلاث صفات:
الموتى طيبون. سيتركونك نائما أبدا..
الموتى رومانسيون لا يؤذون الدود الذي ينخرهم..الموتى آمنون. لن يعتدوا على قبرك، رغم أنك لا تحرسه». (ص90)

بشرى

النصوص تبشر بكاتب سيكون له شأن واضح، كُتبت بشكل تأملي، وموضوعات بها من اليأس ما يجعلك تتشبث بالأمل.

وفّق الحبيني في النصوص، رغم بعض الإخفاقات البسيطة التي لمستها في الفصول الأربعة.

وبرأيي، جاء العنوان متسرعا، وهو الأمر الذي لم يعجبني بعد قراءة المجموعة.

بشكل عام، سرد جميل، وبه نَفَس قصصي واضح، قلّما تجد فكرة حقيقية تُطرح بقلم شبابي.

(هـ . أ)

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *