الرئيسية » سعاد فهد المعجل » سعاد فهد المعجل : أزمة المثقف العربي

سعاد فهد المعجل : أزمة المثقف العربي

سعاد فهد المعجل
سعاد فهد المعجل

كشفت ثورات الربيع العربي عن الكثير من التراكمات العربية الفاسدة والمفسدة.. أحد تلك التراكمات حالة المثقف العربي، والمنظّر الفيلسوف الذي اشتهر بجلسات الكافيهات والنوادي، بغليونه أو بسيجاره الفاخر، وهو يتحدث عن النضال وحركة التاريخ وحتمية الصراع، وشر البرجوازية، وفساد الرأسمالية، وغير ذلك من طروحات كان الشارع العربي يصغي إليها مبهوراً ومسحوراً!

المثقف العربي هذا أذهلته، كما أذهلت غيره، هذه التحولات والأحداث الدراماتيكية، التي احتلت الشوارع العربية، وتسللت قيمها ومفاهيمها إلى ذهن ووعي الشريحة الأكبر التي احتلت ميادين التغيير وهي شريحة الشباب!

ومثلما أذهل المثقف العربي مثل هذ التحول، أزعجه في الوقت نفسه أن تخرج (حركة التاريخ الحتمية) من العباءة الشبابية، وليس من منتداه ومحاضراته وكتبه السياسية التنظيرية!

من الأمور التي كشفها الربيع العربي – أن المثقف ليس بالضرورة عوداً للسلطة، وذلك وفقاً لمفهوم وتعريف المفكر «تشومسكي» للمثقف، بكونه: «عدواً للسلطة ومفاوضاً لها»، كما أنه ليس من الضرورة أن يكون المثقف هو حامي قيم الخير والحرية والعدالة والمساواة، والدفاع عن المظلومين وحقهم في حياة كريمة!

مثل هذه الحقيقة ساهمت في كشفها ثورة التكنولوجيا والتواصل، وحوارات الفضائيات المباشرة التي كانت بمنزلة أداة فرز حقيقية، استمد منها رجل الشارع مهارة الفصل بين مفهوم الوطنية كتوجّه وعمل وأداء، والمفهوم التقليدي الذي كان يمهر المثقف المحاور وصاحب أكبر حصيلة لغوية بكونه وطنياً!

تجليات الربيع العربي تمثل أحدها في عملية مثل هذا الانكشاف القيمي الذي أسقط الكثير من مدعي الثقافة والوطنية بعد أن برزت تناقضاتهم في أول اختبار عملي!

نشأنا على أن الثورات لا يصنعها سوى النخب وأقلام المفكرين والرواد والمثقفين وأن العامة لا يستطيعون خلق التغيير وفرضه، إلى أن تفجّرت الميادين العربية بثورات أشعلها غضب جماهيري وبفئات قد لا يدرك بعضها حتى القراءة والكتابة، لكنها فئات أرهبت النخب المثقفة وأزعجت، على وجه الخصوص، «وعاظ السلاطين» ومفكريها ومنظريها!

التاريخ يذكرنا دائماً بأن أشهر الثورات في التاريخ، الثورة الفرنسية، قادها «الرعاع» والجياع والمحرومون.. ولم يقدها المفكرون والعلماء والمثقفون! هذه الثورة التي أرست أهم بنود الكرامة البشرية: الحرية.. الإخاء.. المساواة..!

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *