الرئيسية » آخر الأخبار » الكتاب الأكروباتيون وتبييض الصفحات الرمادية من تاريخنا

الكتاب الأكروباتيون وتبييض الصفحات الرمادية من تاريخنا

هاجس الانقلاب على النهج الديمقراطي في الدستور لم يتوقف منذ وفاة المغفور له الشيخ عبدالله السالم
هاجس الانقلاب على النهج الديمقراطي في الدستور لم يتوقف منذ وفاة المغفور له الشيخ عبدالله السالم

محمد الغربللي:
إنه ليس الانقلاب الأول أو الأخير، بل هي عدة انقلابات، بصور مختلفة، لكن هدفها واحد لا يتغيَّر أو يتبدل، ممثل بتقويض السلطة التشريعية في أدواتها التشريعية والرقابية.

هو هاجس ألمَّ بأصحاب القرار منذ مطلع الستينات، وهنا لابد لنا من عودة تاريخية، للتأكيد على تلك الانقلابات المتعاقبة.

الانقلاب الأول

كان آخر ظهور له في افتتاح دور انعقاد مجلس الأمة، ففي تلك الجلسة أحسَّ بوعكة صحية، فغادر قاعة المجلس في مبناه القديم.. لم يعد قادراً على مواصلة مراسيم الافتتاح.. أمضى أياما وهو على فراش المرض، وما إن أتى يوم 24 نوفمبر من عام 1965، حتى لاقى بارئه.. وتوفي المرحوم الشيخ عبدالله السالم في ذلك اليوم.. وكانت سيوف الانقلاب جاهزة، فلم تمضِ أيام على الوفاة، حتى تم استلالها لتقويض مفاعيل الأداء البرلماني، بفرض قوانين مقيدة للحريات العامة، عن طريق كتلة حكومية متماسكة ذات ارتباطات مصلحية ما بين الأطراف مع بعضها البعض، فتم سنّ قوانين متواصلة في هذا الاتجاه، مخالفة لنصوص وروح الدستور، على عكس أعضاء المجلس التأسيسي من الذين عملوا على صياغة الدستور، والذين كانت الأمور لديهم واضحة في تكريس النهج الديمقراطي في القادم من السنوات.

هذا الانقلاب الأول دفع عددا من نواب الكتلة الوطنية إلى تقديم استقالاتهم من مجلس الأمة، وكان ذلك في 7 ديسمبر من العام ذاته.. أي بعد أيام معدودة على وفاة المرحوم الشيخ عبدالله السالم.

الانقلاب الثاني

كان المتبقي ما يقارب السنة من تاريخ هذه الاستقالة على استحقاقات الانتخابات النيابية التالية في سنة 1966، وفي مطلع العام الذي يليه كانت هناك انتخابات جديدة، وكان لابد من مواصلة الانقلاب على الدستور، ليس بحذاقة تعديل آلية الانتخابات، كما هو حاصل اليوم، بل بتبديل أوراق الانتخابات في الصناديق الانتخابية.. وهكذا، تم وضع أوراق تمَّت الإشارة فيها لمن يُراد لهم النجاح، وضمان عدم وصول أي مرشح لكرسي النيابة يثير نقاشا، أو يوجع الرأس في مقترحاته التشريعية أو دوره الرقابي.. وتم تبديل الصناديق وتزوير الانتخابات جهاراً نهاراً، والطريف والأقرب للسذاجة «التزويرية» أن أحد صناديق اللجان الفرعية في دائرة حولي لم يحصل المرشح فيها، وهو د.أحمد الخطيب، ولا حتى على صوت واحد في الصندوق، وهذا يعني انعدام وجود ناخب في تلك اللجنة الانتخابية للتصويت للدكتور الخطيب ضمن خياراته بين خمسة مرشحين وليس مرشحا واحدا قد يختاره أو يحدد خياراته، كما لا يوجد ناخب واحد قد رشح الدكتور، وهذا شبه مستحيل، ومرد ذلك، أن التزوير كان يتم في صناديق اللجان الفرعية، والمزورون كانوا يخشون أن يفوز د.الخطيب ضمن صندوق أصوات اللجنة الرئيسة التي لا يمكن نقلها، ومن شدة خوفهم ولتوخي المزيد من الحيطة والحذر والحرص الشديد لم يضعوا اسم الدكتور أحمد في هذه اللجنة، حتى لا ينجح إلا مَن يُراد نجاحه.

الانقلاب الثالث

مرَّت سنوات التزوير الرمادية الأربع، وكان لابد من العودة إلى جادة الطريق بعد هذا الانحراف الكبير، وأتى مجلس 1971، الذي قارب خطوطا حمراء في مجال النفط والسياسة النفطية عامة، وخطوطا أخرى بوقف الادعاءات غير الشرعية على أراضي الدولة.. كما أتت إشارات خارجية بشكل مباشر أو عن طريق حاملي الرسائل، بعدم الرضا عن هذا الطريق، فقد كان يُراد للساحة العربية أن تمهد لما يشبه الانقلاب في الاتجاه والمضمون، وهي خطوة بدأتها مصر، مخالفة لما كان سائداً طوال عقود.. كما كان لابد من إسكات أي أصوات تتحدَّث خاصة بالشأن الوطني أو العربي العام.. وهكذا مع تكاثر العناصر الوطنية في مجلس 1975، بعد نجاح وكفاءة ممارستها الأولى في المجلس الذي سبقه، أتى الانقلاب الثالث عام 1976، ولم يكن انقلاباً على السلطة التشريعية، بل على جميع الحريات في المجتمع، وقد تجسَّد ذلك بالتعدي على جمعيات النفع العام والملاحقات الأمنية.. وكان لابد من التفكير مجدداً بعد «حالة التأمل» التي وصفت، آنذاك، بإيجاد مخرج ما لتفريغ الدستور من أدواته الرقابية والتشريعية وخفض صلاحياته بأكبر قدر ممكن.. وهكذا، وقبل الوصول إلى الاستحقاق النيابي التالي، تم تشكيل لجنة تسمى «لجنة تنقيح الدستور»، علّها تضفي شرعية شعبية ما على ما يراد من مبتغى بإجراء تعديلات على مواد محددة منه لإخراج مجلس صوري أقرب في الأداء إلى المجلس الاستشاري، والوصول إلى الهدف المنشود.

وبغرض التحكم في مخرجات الانتخابات، جاءت المشورة بتعديل آلية الانتخابات بتقسيم الدوائر وتقليص خيارات الناخب، وإذا لم تنجح التنقيحات، فيمكن نجاح آلية الانتخابات والتحكم باتجاهات الدوائر الانتخابية بوسائل عدة، كالمال ونقل الأصوات وتقديم الخدمات.

الانقلاب الرابع

الانقلاب الرابع والمتواصل أتى بصورة جديدة، ولكن بهدف محدد وواحد.. ففي تلك الانتخابات ظهرت الرعاية شبه الرسمية باستخدام الفوارق القبلية والطائفية تحت رعاية مَن يرعى ذلك.. فكل السبل موجهة نحو الهدف المنشود.. وثبتت نجاعة هذه الطريقة بالتحكم في مخرجات الانتخابات عن طريق تفتيت القدرة التصويتية والتحكم فيها، وانتزاع حق المواطن الناخب وتقليص صلاحياته وحقوقه باختيار خمسة مرشحين وخفضهم إلى مرشحين اثنين لا غير.

الانقلاب الخامس

ومع الانتخابات الجديدة والمحاولات لإنقاذ أداء السلطة التشريعية، أتى الانقلاب الخامس عام 1986 أشد قوة وقسوة مما جرى منذ عشر سنوات، وتم ابتكار ما يسمى بالمجلس الوطني عام 1990، وكان يفترض – وفق رؤية من أتى بإخراجه- أن يتمتع هذا المجلس بصلاحية في الاستهلاك تمتد لسنوات، إلا أن الغزو، وما أفرزه من معطيات، أنهى فترة الصلاحية تلك بوقت مبكر.
هكذا سارت الأمور منذ عام 1965، من انقلاب لآخر، حيث لم تكن هناك قبلية أو طائفية ذات تأثير.. ما كان مؤثرا ويثير الإزعاج هو أن تتولى السلطة التشريعية صلاحياتها وفق ما أتت به النصوص الدستورية وروحها.

بغرض التذكير

عرضنا هذه الاستشهادات التاريخية فقط لتذكير بعض الكتاب ذوي القفزات البهلوانية من الذين يرغبون ويحاولون تصوير الحياة السياسية كما يحلو لهم، مع إخفاء الأهداف الحقيقية لتقويض الحياة الدستورية منذ عقود.. فمن طالب بتعديل آلية الانتخابات والدوائر الانتخابية هم مجموعة من شباب الحراك، فما يرونه أمام أعينهم بعد أن شب وعيهم هو مدى تردي العبث السياسي، فظهرت مطالبتهم بشعار «نبيها خمس»، التي لم تأتِ كشهوة مزاجية بغرض التبديل، بل لتحسين الأداء الانتخابي، وإضفاء مزيد من الممارسة الديمقراطية الصحيحة على السلطة التشريعية.

تنامي تكتل الشباب لم يكن في قاعة عبدالله السالم أو أروقة المجلس، بل في الشارع، تنامٍ في العدد يتناسب مع ما يلمسونه من حالات فساد واستغلال نفوذ وتردي الأمور وتلاشي القيم الوطنية الصادقة.. فمثلا هم يعرفون أن مجلس الأمة أصدر في عام 1998 القانون رقم 9، الذي ينص على تجريم الانتخابات الفرعية التي تجرى على أساس قبلي، وشاهدوا كيف أن مثل تلك الانتخابات لاتزال مستمرة برعاية وترتيب من وزارة الداخلية، وبوجود رجال الأمن، لتنظيم المرور أثناء قيام بعض الجهات بترتيبها.. وكان الهدف من المطالبة، كما قلنا، ليس نزوة أو تعديل بغرض التعديل، بل أداة لتحسين الأداء في السلطة التشريعية التي تعرَّضت مرة أخرى للتخريب عن طريق العطايا والخدمات التي تقدَّم.. عطايا وصلت بالملايين، ولا يوجد غافل أو مستغفل ينكر ذلك، فأحد النواب المستفيدين منها لم يجد حرجا أو غضاضة في أن يعلن بالصوت والصورة من على شاشة إحدى القنوات التلفزيونية تلقيه أموالا في هذه الانتخابات كما في الانتخابات الأخرى.. وهو

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *