الرئيسية » قضايا وآراء » عبد الله النيباري : اقتراح اتحاد الخليج.. بين الواقع والطموح

عبد الله النيباري : اقتراح اتحاد الخليج.. بين الواقع والطموح

عبدالله النيبارياستحوذ اقتراح خادم الحرمين الملك عبدالله بن عبدالعزيز في اجتماع دول مجلس التعاون الخليجي في الرياض، بانتقال هذه الدول من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد، على اهتمام كبير. فهو شعار يداعب خيال وأحلام مواطني دول مجلس التعاون الذي نص بيان إنشائه على أن الوحدة هي الهدف المنشود، إذ جاء فيه “تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء في جميع الميادين وصولا إلى وحدتها”.

وقد قرر اجتماع الرياض تشكيل هيئة من ممثلي الدول الأعضاء لدراسة الاقتراح، وطريقة تنفيذه من الجوانب كافة، ولكن لم يشر البيان الى نوعية الاتحاد المنشود، هل سيكون اندماجاً في دولة واحدة، أم سيكون وفق نظام فيدرالي أو كونفيدرالي على نمط الولايات المتحدة الأميركية أو كندا أو الملايو.

فهذا الأمر أوكل إلى الهيئة التي ستنشأ لهذا الغرض.

ما جاء في كلمة خادم الحرمين يعبر عن أن الدافع وراء الاقتراح هو الهاجس الأمني “ومن الواجب علينا مساعدة أشقائنا في كل ما من شأنه تحقيق آمالهم وحقن دمائهم وتجنيبهم تداعيات الأحداث والصراعات ومخاطر التدخلات، لا نقف عند واقعنا ونقول اكتفينا.. ومن يفعل فسيجد نفسه في آخر القافلة ويواجه الضياع وحقيقة الضعف، وهذا أمر لا نقبله جميعاً لأوطاننا، واستقرارنا وأمننا”.

هاجس أمني

لا شك أن شعور دويلات الخليج ككيانات صغيرة، مساحة وسكانا، يجعل هذا الهاجس طاغيا على مشاعر مواطني هذه الدول، خصوصا عندما يستذكرون غزو صدام للكويت ويلمسون ان خطاب النظام الحاكم في إيران يضغط على نبرة القوة العسكرية والمناورات المتكررة في مياه الخليج، إلى جانب المخاوف من تطور القوة النووية لإيران.

وقد يكون طغيان الجانب الأمني أو المخاوف الأمنية أمراً مشروعاً، ولكن هذه الدول قد تتمكن من مواجهة الجانب الأمني عبر تطوير اتفاقيات الدفاع المشترك أو درع الجزيرة، إلى شيء شبيه بحلف الأطلسي، مع الاستعانة بقدرات أمنية متطورة.

الجانب الأهم

غير أنه يجب الأخذ بالاعتبار، انه برغم أهمية المخاطر الأمنية، فإن الحروب بشكلها التقليدي أو التاريخي، أو حتى كما حصل في غزو الكويت، أمر احتمال وقوعه أصبح صعبا، بحكم ما وصل إليه النظام العالمي في مناهضة الحروب.

الأمر الأكثر أهمية، لاتحاد دول مجلس التعاون، في تقديري، هو موضوع التنمية، فاستمرار هذه الدول وبخاصة الصغيرة، في نهجها الحالي لن يؤدي إلى بناء اقتصادات تعتمد على القدرات الذاتية، فهي الآن تعتمد على عائدات النفط في حياتها الاقتصادية، والنفط في النهاية ثروة ناضبة ومعرضة للتأثر بتطور بدائل الطاقة، وهو ما تسعى إليه دول العالم المتقدم، كما أن النفط سلعة في سوق أسعارها قابلة للتذبذب، وميزانيات الإنفاق في هذه الدول ستواجه عجزا إذا ما حدث انخفاض في أسعار النفط.

الاتحاد بين دول مجلس التعاون يوفر بيئة أوسع لتحقيق خطوات في التنمية وتنويع الموارد الاقتصادية، إلى جانب النفط أو أي بديل عنه.

الاتحاد، أيضا، قد يساعد دول المنطقة على تصحيح الاختلالات السكانية، وهو أمر جد خطير عندما نأخذ بعين الاعتبار تناقص المكوِّن السكاني الوطني في بعض دول الخليج إلى عشرة في المائة أو ما دون.

وهناك أمور كثيرة قد يساعد الاتحاد على تصحيحها، مثل التنمية البشرية والتربية والتعليم وتشجيع البحث العلمي.

الخلاصة، أن دول الخليج إذا لم تصحح مسار التنمية الاقتصادية فيها وتعالج الاختلالات الناتجة عن نمط الاقتصار الريعي، فإنها ستكون مهددة بمخاطر الاضمحلال.

ولكن هل ستمضي دول الخليج في خطوات جادة لتحقيق الاتحاد؟

طبيعة الأنظمة

باستعراض مسار تطور مجلس التعاون، لا نرى ما يعزز الثقة بإمكان تحقيق نجاح ذي قيمة، فعلى الرغم من عدم وجود عوائق أمام تحقيق الوحدة الاقتصادية ولو في حدودها الدنيا، فإننا نجد أن تحقيق الاتحاد الجمركي والعملة الموحدة لم يشهد سوى نجاح متواضع.

إن العوائق التي تعطل مسار التعاون أو الاتحاد هي طبيعة الأنظمة في دول الخليج، فهذه الدول ما زالت تحكمها أسر مالكة تركزت كل السلطات في يدها والسياسات التي تتعبها هي استمرار للهيمنة على مقادير البلاد والعباد.

نمط أنظمة الحكم في دول الخليج لا تتوافق مع العصر الذي وصلت إليه البشرية. عالم اليوم هو عالم الشعوب وحقوق الإنسان، وتمكين مواطني الدول بالتمتع بأكبر قدر من الحريات وقوانين تحمي حقوق المواطن، عالم يحارب التمييز والإقصاء، واعتبار الإنسان أياً كان جنسه، ذكرا أو أنثى، مواطنا له حقوق أساسية لا يمكن التعدي عليها.

للتقدم نحو الاتحاد، يتطلب الأمر تحقيق إصلاحات سياسية أساسية في بنية هذه الأنظمة، وذلك بالتحول إلى دول قانونية من خلال دساتير وقوانين لأنظمة ديمقراطية يشارك فيها الناس اختيار حكامهم عن طريق انتخابات لمجالس تمثل الشعوب وتعكس إرادتها.

الأوضاع القائمة في دول الخليج تعاني تفاوتا في طبيعة الأنظمة، ففي حين أن الكويت تتمتع بوجود دستور ومجلس نيابي منتخب ومؤسسات للمجتمع المدني وتكتلات سياسية، وهامش واسع من الحريات، وأهمها حرية التعبير وقضاء مستقل. وأياً كانت محدودية الممارسة الديمقراطية في الكويت، فإن بقية الدول ما زالت تحكم بالقبضة الأمنية، وتركز السلطات وصناعة القرار في أيدي أفراد من الأسر الحاكمة.

ومن دون حدوث تطور سياسي ملموس في دول الخليج إلى درجة التماثل، فإن الحديث عن الاتحاد بينها يصبح كلاما للاستهلاك الإعلامي من دون أن ينعكس في حيز التنفيذ.

لقد مضى من عصر الاعتماد على النفط قرابة ستين عاما، ومر على إنشاء مجلس التعاون قرابة ثلاثين عاما، ونحن لم نحقق من التطور إلا الارتفاع في النمط الاستهلاكي الذي تتسارع وتيرة معدلاته مع ارتفاع أسعار النفط. أما على مستوى تحقيق خطوات جادة لبناء اقتصادات متطورة تضمن لهذه المجتمعات البقاء، وتحافظ على ما وصلت إليه من النعم الاقتصادية، فما زال الإنجاز محدوداً.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *