الرئيسية » آخر الأخبار » وفق التصنيف الأخير لمنظمة الشفافية العالمية: الفشل في القضاء على المحسوبية والتنفيع جعل الكويت الأكثر فسادا خليجيا

وفق التصنيف الأخير لمنظمة الشفافية العالمية: الفشل في القضاء على المحسوبية والتنفيع جعل الكويت الأكثر فسادا خليجيا

الكويت لم تحرز أي تقدم في مؤشرات مدركات الفساد لعام 2014
الكويت لم تحرز أي تقدم في مؤشرات مدركات الفساد لعام 2014

كتب محرر الشؤون الاقتصادية:
لم يكن تقرير منظمة الشفافية العالمية، الذي صدر الأسبوع الماضي، وأكد أن الكويت الأكثر فساداً بين دول الخليج، مفاجأة، بل كان متوقعا ومؤكدا، وحقيقة تحدثنا عنها، مراراً وتكراراً، وهي الفساد المستشري في البلاد بشكل كبير، وحالة التخبط التي نعيشها منذ سنوات، وهو ما حال دون تقدم الكويت ولو خطوة واحدة إلى الأمام، وأصابنا جميعاً بخيبة أمل كبيرة ويأس مما هو قادم.

ووفق التقرير، لم تحقق الكويت تقدماً يُذكر في ترتيبها المتأخر في مؤشر مدركات الفساد، الذي تعده منظمة الشفافية الدولية، وحلّت في المرتبة الأخيرة بين دول مجلس التعاون، والسابعة عربياً، والثامنة على مستوى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، على الرغم من تقدمها مركزين من المركز الـ 69 العام الماضي إلى المركز الـ 67 عالمياً في المؤشر لعام 2014، واعتبرت الكويت، وفق المؤشر الذي صنف حالة الفساد في 175 دولة، من بين الدول الأكثر فساداً، مقارنة بالدول الخليجية الأخرى، إذ حلّت الإمارات في المرتبة الأولى خليجياً، والـ 25 عالميا، وقطر في المرتبة الـ 26 عالمياً، بينما جاءت كل من السعودية والبحرين في المرتبة الـ 55 وفق المؤشر.

ما الأسباب؟

عند الاطلاع على التقرير، يتبادر إلى الذهن سؤال وهو: إذا كان السبب الرئيسي أن بعض الدول العربية تراجعت في مؤشرات مدركات الفساد، بسبب المعاناة من اضطرابات سياسية، وانعدام الأمن الجيوسياسي، وكذلك الأوضاع الأمنية غير المستقرة، والعنف والصراعات المسلحة، ما سهّل انتشار التدفقات غير المشروعة والممارسات الفاسدة، ما دفع هذه الدول إلى تكريس إمكانياتها سياسياً ومالياً للتعامل مع هذه التهديدات الأمنية، بدلاً من صب المزيد من الموارد في محاربة الفساد بشكل فعال، فما هو السبب الذي أوصلنا نحن إلى هذه المرحلة؟ فالكويت لا تعاني كل هذه العوامل السابق ذكرها، فما السبب الذي جعلها تكون الأكثر فساداً خليجياً؟!

بالتأكيد السبب الأول الذي أوصلنا إلى هذه الحالة، هو أن الحكومات المتعاقبة، ومنذ سنوات غير راغبة، أو أنها غير قادرة على وقف المحسوبية بشكل جدي، ولا وقف الفساد.

نماذج متعددة

وإذا تحدثنا عن نماذج الفساد في الكويت، فإنها كثيرة ومتعددة، ولكن يأتي على رأسها خطة التنمية التي رصد لها 137 مليار دولار، وهو بلا شك مبلغ مالي ضخم، وقد يكون حجم الفساد الذي شهدته هذه الخطة، والنهب والتنفيع من أهم العوامل التي وضعت الكويت ضمن الدول الأكثر فساداً، فقد أكدت غالبية التقارير الاقتصادية، المحلية والخارجية، الفشل الذريع لهذه الخطة، وحجم الأموال الكبير الذي أهدر فيها، وهو ما أكده تقرير صادر عن جهة حكومية (المجلس الأعلى للتخطيط)، حيث أكد فشل معظم أهداف الخطة التنموية للكويت (2010 – 2014)، مبيناً  أن الفشل أو الإخفاق في الخطة وصل إلى نسبة مرتفعة تصل إلى ما يقرب من 50 في المائة، وهي بالتأكيد نسبة مرتفعة جداً، هذا إذا اقتنعنا فعلا أنه تم تنفيذ ما يقرب من 50 في المائة من المشاريع الموضوعة في الخطة، وأن الإنفاق كان بشكل صحيح، مشيراً إلى أنه ضمن ما رصدته خطة التنمية مبلغ 22.5 مليار دينار لنحو 1603 مشاريع، ولكن ما تم صرفة فعلا هو 11.8 مليار دينار فقط، وهذا يعني أن حوالي 50 في المائة من الأهداف لم تتحقق، هذا إذا اقتنعنا فعلا أن الـ 11.8 مليار دينار التي أنفقت تم إنفاقها بشكل صحيح، وحققت الأهداف التنموية المرجوة منها.

خطة جديدة.. وفساد جديد

وفي الوقت الذي ما زال الجميع يتحسر على الأموال التي أُهدرت في خطة التنمية،  فوجئنا برئيس الوزراء يؤكد عزم الكويت إنفاق 100 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة على مشروعات البنية التحتية والمشروعات التنموية، وكانت هذه هي المرة الثانية التي تعلن فيها الحكومة عن خطة تنموية جديدة، فقد أعلنت الحكومة منذ بضعة أشهر عزمها تنفيذ خطة للتنمية الاقتصادية تفوق قيمتها 125 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة، وقد جاء إعلان الحكومة عن هذه الخطة تزامنا مع زيارة لوزير التنمية السابقة د.رولا دشتي إلى الصين، وعقدها لقاءات مع الحكومة الصينية، وشركات بخصوص الشراكة في التنمية مع الكويت، ودراسة الاستفادة من الشركات الصينية لتنفيذ خطة التنمية ذات الـ 125 مليار دولار. والغريب أن الوزيرة دشتي كانت تعقد لقاءات مع الحكومة والشركات الصينية للمشاركة في خطة التنمية، قبل أن تكون هناك خطة أصلاً، أو حتى يتم إقرارها من مجلس الأمة، وهذه الأمور توضح لنا لماذا أصبحت الكويت الأكثر فسادا في الخليج، فوزيرة مسؤولة عن خطة بـ 125 مليار دولار (وفق ما أعلن) تتفاوض مع شركات قبل أن تقر الخطة من الجهة التشريعية!

غياب العقاب والمحاسبة

الأمر المؤكد الذي جعل الكويت تصل إلى هذه الحالة من هدر أموال وفساد وتحتل مرتبة أكثر الدول الخليجية فساداً، هو عدم محاسبة كل مَن تسبب في هدر مالي، أو تعطيل وعرقلة وإهدار مال عام في مشروع، فتحسين الوضع لن يتحقق قبل القضاء على الفساد وتحقيق الإصلاح، فما الفائدة من رصد مليارات الدنانير سنوياً، بحجة تنفيذ مشاريع تنموية، ثم تهدر هذه الأموال وتضيع في التنفع والمحسوبيات؟ وما الفائدة من رصد مليارات الدنانير لتنفيذ مشاريع تنموية، وفي النهاية تبدد هذه المليارات، ولا يعلم أحد إلى أين ذهبت؟

إن واقع الحال يقول إن رصد كل هذه المليارات، في ظل المناخ المتردي الذي نعيشه، ومخططات نهب أموال الدولة، كان فرصة جيدة للراغبين في نهب المال العام والسيطرة على مقدَّرات الدولة، وتحقيق مكاسب شخصية على حساب مستقبل البلاد، وهذا ما جعلنا الأكثر فساداً خليجياً.

القطاع النفطي

أما المثال الآخر والصارخ للفساد والهدر المالي، فهو القطاع النفطي.. فرغم الفشل الكبير لهذا القطاع في غالبية المشاريع النفطية الداخلية والخارجية، سواء الواردة في خطة التنمية أو غيرها، فإن المكافآت في هذا القطاع وصلت إلى أرقام كبيرة، وليس أدلّ على ذلك من مكافأة «المشاركة في النجاح»، التي تصل إلى ما يزيد على 200 مليون دينار سنوياً، هذا بالإضافة إلى ما يحصل عليه قياديو وموظفو مؤسسة البترول وشركاتها التابعة من ميزات تشمل بنودا أخرى غير مكافأة المشاركة في النجاح، وقد بلغت ميزات العاملين في القطاع النفطي (وفق تقارير ديوان عام المحاسبة) فوق رواتبهم نحو 490 مليون دينار في العام المالي (2012 / 2013 )، ولا يدري أحد أين هذا النجاح الذي شارك فيه هؤلاء؟! فكل مشاريع القطاع النفطي إما معطلة أو تأجلت أو تأخر تنفيذها، أو فشلت ولم تحقق الأهداف المرجوة منها، كما أن الهدر والإسراف المالي في هذا القطاع، يفوقان ما يمكن أن يتوقعه أي شخص، فكم من الأموال أُهدرت باسم مشاريع لا نجدها على أرض الواقع، وكم من الأموال أهدرت على دراسات جدوى ومكاتب استشارية وسفريات وتنقلات على مشاريع نتحدث عنها منذ عشرات السنين من دون أن تنفذ حتى الآن؟ والأمثلة على ذلك كثيرة ومتعددة، منها مجمع بتروكيماويات الصين، ومصفاة فيتنام، والمصفاة الرابعة، ومشروع الوقود البيئي، فضلا عن مشروع حقول الشمال، ومشروع الرؤية، والخطة الاستراتيجية 2030، والفضيحة الكبرى غرامة «الداو» المليارية، التي كانت مثالا صارخا للتخبط في الإدارة وحرب المصالح، هذا بالإضافة إلى مئات الأمثلة الأخرى التي لا يتسع المجال لذكرها.

تهريب الديزل.. القضية الأشهر

يُضاف إلى ما سبق الفساد الفج، فيما يعرف بقضية «تهريب الديزل»، فهذه المشكلة تكلف الكويت سنوياً مئات الملايين من الدنانير، ولا نجد أي تحرك حكومي للقضاء عليها، ومواجهة «حرامية» الديزل الذين تضخمت ثرواتهم، وما زالت تتضخم عاما بعد الآخر، تحت مرأى ومسمع الجهات المسؤولة، التي ينصبّ اهتمامها في تشكيل اللجان فقط، فكم لجنة شكلت لبحث هذه القضية ولم تصل إلى نتيجة؟ مع العلم أن الجهات التي تقوم بالتهريب معروفة للجهات المسؤولة!

الشفافية غائبة

حالة الفساد التي استفحلت في البلاد، وعدم الشفافية في تنفيذ الكثير من المشاريع كانتا سببا رئيسا في أن كثير من التقارير الدولية، أشارت في أكثر من موضع إلى ازدياد الفساد الموجود في الكويت، ومنها التقرير الأخير الصادر عن منظمة الشفافية العالمية، والغريب في قضية محاربة الفساد، أن السلطة التي يفترض بها أن تكافح الفساد لا تتحرك للقيام بهذا الدور، فالحكومات المتعاقبة على مدى السنوات الماضية، وعند تشكيلها أول ما تذكره هو محاربة الفساد، وزيادة الشفافية، وحماية المال العام، وما إلى ذلك من شعارات رنانة، وبعد  وقت قليل جدا تموت هذه الشعارات، ويغيب الإنجاز، فالكل يتحدث عن الخلل الإداري، والفساد، والواسطة والمحسوبية والتطاول على المال العام، من دون أن يتحرك أحد لإصلاح أي من هذه المشكلات، فالفساد والواسطة والمحسوبية والتطاول على المال العام، كلها مشكلات تزداد يوماً بعد يوم ولا نرى أي محاسبة لمسؤول أو موظف، سواء أكان كبيراً أم صغيراً، والنتيجة التي وصلنا إليها فساد ونهب أموال في تنفيذ المشاريع، وفساد في الصحة والتعليم والطعام والطرق، وفساد في الهواء والماء وفي كل أمر يحيط بنا، ولو أن هذا الكلام غير صحيح، كما يردد المسؤولون، لما وصلنا لنصبح الأكثر فساداً بين دول الخليج، ورغم كل ذلك ما زالنا نسمع عن القضاء على الفساد وأنصاره!

الإصلاح يجب أن يبدأ بمؤسسات الدولة

يُعد مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية بمنزلة تحذير من إساءة استخدام النفوذ، والتعاملات السرية، والرشوة، وإصدار التراخيص المحلية، وحتى إنفاذ القوانين واللوائح، والسيطرة على مؤسسات الدولة لتحقيق مآرب خاصة، والفساد في الإشراف على العقود العامة الكبيرة، وكل هذه من مخاطر الفساد الكبرى، وهي المشكلات الرئيسة في تخريب المجتمعات في شتى أنحاء العالم، لذلك شدد التقرير على ضرورة أن تكون المؤسسات العمومية أكثر انفتاحاً في ما يخص عملها وأنشطتها، وأن يكون المسؤولون أكثر شفافية في صناعة القرار، وجعل المؤسسات الكبرى أكثر شفافية، وإذا كانت الحكومة جادة في إصلاح الخلل والقضاء على الفساد، فعليها أن تبدأ بالقضاء على الفساد والهدر المالي المسيطر على مؤسسات ووزارات الدولة.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *