الرئيسية » قضايا وآراء » محمد خيري آل مرشد : دائرة الإبداع

محمد خيري آل مرشد : دائرة الإبداع

محمد خيري آل مرشد
محمد خيري آل مرشد

تشترك عوامل كثيرة تتقاطع لتكون دافعاً وصانعاً للإبداع، فبالإضافة إلى القدرات العقلية والذهنية والملكات الفطرية المميزة والمرونة والطلاقة الفكرية والخيال الواسع، التي لابد من توافرها كعوامل أساسية في أي شخصية إبداعية، لابد أيضا من وجود موهبة يجب تنميتها وصقلها لتتفاعل مع باقي العوامل المحيطة والمحفزة لتنتج إبداعاً ذا معنى، فلا يمكن أن يتحقق إبداع من أهبل أو أبله أو مغفل أو عديم إدراك أو من ضيق أفق، مهما توافر له من أسباب أخرى، فالإبداع الاستثنائي يحتاج إلى هذه العوامل كما إلى الموهبة الاستثنائية.

المتعة الذاتية والنفسية عند العطاء، بمعنى أن الباحث عن الإبداع يريد الوصول إلى منفعة تفيد الآخرين، وهو بذلك يصل إلى غاية المتعة والانشراح، بل السعادة، عادة هؤلاء لا يبحثون عن فوائد أو عوائد مادية في المقام الأول، بقدر ما يسعون إلى تحقيق حلم يسعدهم ويحتاجه الآخرون.

الانضباط في العمل والالتزام واحترام أهمية الوقت والاستمرارية في إعادة المحاولة من أهم أسباب النجاح، وما قد يقود إلى الإبداع يسبق كل هذا التخلي تماماً عن العادات المعيقة للإبداع، مثل التسويف والنوم الطويل ورفقة السوء وغيرها كثير، فقاطرة النجاح والإبداع تحتاج إلى العمل المخلص والدؤوب والعطاء المستمر وغير المحدود، فبذل الجهود للإبداع الاستثنائي يجب أن تكون استثنائية أيضاً.

حاضنة الإبداع، التي سبق أن تناولنا تعريفها، نقول هنا إن حرية التفكير والتعبير والعمل واتخاذ القرار واستقلاليته من أهم عوامل تحفيز الإبداع، إذ لا يمكن أن ينمو إبداع في بيئة غير حاضنة للإبداع، أو في مجتمع يحكمه طغاة وقوانين طاردة للإبداع، عدوها الكلمة، تنمي الغباءات لتملأ الساحات وتشغل المراكز الفكرية بأهل الحظوة من أصحاب البله الفكري. إن إتاحة الجدل والنقاش المفتوح وغير المحدود في فضاء الفكر، يقود بالضرورة إلى إجابات أكثر نضوجاً ونجاعة، فالفضاء المفتوح للنقاش ينمي التفكير المرن والناقد والتحليل، ليتحول بعض منه إلى تفكير إبداعي خالص.

لكي نساهم في اكتشاف مهارات إبداعية في محيطنا، علينا أولاً خلق بيئة إبداعية، أو ما نطلق عليه «حاضنة إبداعية»، وهي كل تلك العوامل الاجتماعية والتعليمية والسياسية وغيرها، فتوافرها يساعد كثيرا في تنمية إبداعات كثيرة، قد تموت بدونها دون أن يلاحظها أحد.. فكم من العقول التي يمكن أن تكون مبدعة اضمحلت لعدم وجود بيئة حاضنة لها، فالقدرة على التفكير مهارة مكتسبة، وإن استندت إلى الذكاء الفطري، إلا أنه من الضروري بمكان تنمية هذه الحاضنة الفكرية والإبداعية لتستطيع احتضان ما يمكن من العقول الإبداعية.

تعدد المصادر الفكرية على اختلاف مشاربها، والتي لها رؤى معرفية مختلفة، يغني الساحة الفكرية، وحتى لو كانت عدائية أحياناً لكن بتصادم الأفكار تصقل أفكار جديدة، لتصبح أكثر رزانة وأثبت حجة، وقد تفضي إلى إبداعات جديدة بتوفير مناخ فكري حر هو من أهم الحوافز التي تنمي التفكير الإبداعي.

من أهم عوامل تنمية التفكير الإبداعي أيضاً، تعديل المناهج المدرسية المملة، وتنقيحها من كل ما لا فائدة من وجوده، أو تفاصيله، وكذلك إعداد ناقلي المعلومة إعداداً مناسباً، وإخضاعهم لدورات تعليمية تثقيفية دورية متكررة، وكذلك أساليب نقل المعلومة ذاتها التي تلقي بالمعلومات الجافة رمياً على رؤوس المتلقين، والتي لا تعود على مراحل معينة سوى بالتعب وضياع الجهد، بل التنفير من المقعد المدرسي، فالتركيز على المهم والواضح يفيد كثيراً في جعل المواد الإبداعية أكثر قرباً للفهم والإدراك.

تكمن في داخل الكثيرين طاقات هائلة وقدرات كبيرة، فإذا ما عرف الطريق وسلك السبيل الصحيح في بيئة فكرية ملائمة، يمكن تحويل ذلك إلى حقائق علمية عملية مفيدة.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *