الرئيسية » قضايا وآراء » ماجد الشيخ : في التمركز حول الذات والهوية

ماجد الشيخ : في التمركز حول الذات والهوية

ماجد الشيخ
ماجد الشيخ

يصرّ البعض من قوى «الإسلام السياسي»، على التمركز والتحلق، ليس حول الذات المتوحّدة مع أوهامها القارة في قيعان أعماق الذين يزعمون اليوم عودتهم إلى الأصل، بمعنى العودة إلى تطبيقات شرع انتقائي، ينافح من أجل التفرّد بسلطة له، لها سطوة الإجرام والتوحّش الزائد، بل في كونهم وقد «اختاروا» لهذه المهمة تمركزا حول هوية أو هويات فرعية، لا مثيل لها أو سوابق لها في التاريخ. هويات تجسّد «قداسة» ما مفترضة، محمولة على روافع تديّن موهوم بكونه عصيّا على الخطيئة أو الزلل أو الخطأ في قضايا لها طابع غير مقدس، ولا تنتمي أصلا إلى فضاءات الدين، والدين منها براء. كالمسائل الإنسانية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية والثقافية، مما لا علاقة للدين أو التدين بها؛ إلا إذا أريد توظيفها واستخدامها واستثمارها في ما لا فائدة تُرجى منها؛ سوى لأصحاب سلطة القهر والغلبة، عبر إضفاء نوع من «القداسة» الموهومة والمزعومة إليها، مما لا يتبناها ولو عن غير قناعة،  سوى السذج والبسطاء من الناس الذين لا يكترثون لاستعمالات العقل ومزاياه في كشف أخطاء الخطاة، وأراجيف الذين أدمنوا التجارة في كل شيء، حتى باتت بمنزلة «طريقة حياة»، ولو على حساب حيوات الكثيرين من الناس، الذين يجري التغرير بهم، عبر مغريات الجنة، والحوريات، وأنهار اللبن والعسل والخمر.. إلخ من تلك الشعارات والخطابات «الشعبوية» التي لا تكف عن هراء التدليس، والكذب والتزوير؛ والتقويل بذريعة التأويل، حتى في النصوص الدينية التي تعتبر أساسية ولها سطوة المرجعية.

  أغلبية الفرق والتيارات والأحزاب الدينية، ليس عندنا فقط، تستمرئ اليوم خوض «حروب الهوية» مع طواحين الهواء، وداخل المجتمعات المنسجمة هوياتيا، لا المتناحرة أو المتنافسة والمتذابحة على هوية لا يعاديها أو يتضاد معها أحد؛ من قبيل ما يجري اليوم في بعض مجتمعاتنا العربية، حيث يخرج «الدينيون» من قوى «الإسلام السياسي» وهم يحملون أوهاماً شتى حول التدين، وضرورات الحفاظ على الهوية الدينية، ليواجهوا فئات وتيارات أخرى وطنية ومواطنية، ليخرجوهم ليس من الدين، بل ومن الهوية التي يحتكرونها، وكأنها الصفة الملازمة لهم وحدهم، أما الآخرون فيجب أن «يعودوا» إلى البوتقة «المصطفاة» في تماهيها مع «مقدس» له صفة الانتقاء لا الديمومة، والانكفاء والنكوص لا التطور والتقدم، واستعداء الآخر؛ كل آخر، لا يرطن برطانة أهل الهوى والبدع.

   وما يجري اليوم في فلسطين المحتلة، لدى حكومة العدو، من عودة لفتح ملف «يهودية الدولة»، ليس أكثر من إعادة قوننة دستور لإسرائيل، كونها يهودية وليست ديمقراطية، حتى ولو ذكر في النص أنها دولة «يهودية وديمقراطية». ها هنا معركة هوية تخوضها حكومة العدو مع ذاتها وضد الأغيار (العرب الفلسطينيين)، فمع من تريد قوى «الإسلام السياسي» عندنا خوض معركتها من أجل الهوية؟ مع متماثلين في الدين والهوية من (أغيار العرب والمسلمين)؟ أم مع إثنيات وأعراق وطوائف ومذاهب دينية شتى؟ أم مع ذواتهم المنقسمة والمفتتة، التي لم تعد تجد رابطاً يربطها، أو وحدة توحدها، أو جامعة تجمعها؟

 إنها حيرة المشتاق في مزالق العشاق، فمن الحب ما قتل، ومن الحب ما ذبح، ومن القتل ما تقدس، ومن القداسة ما تدنس، فإلى أي جنب تميل يا هذا «الداعشي» القريب  والغريب، وأنت المريب والربيب والطبيب لكل ما توحش!

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *