الرئيسية » قضايا وآراء » محمد جاد : المناخ الثقافي ومعضلات الدين والسياسة

محمد جاد : المناخ الثقافي ومعضلات الدين والسياسة

محمد جاد
محمد جاد

حدثان تزامنا ليكشفا، أو لنعاود من خلالهما اكتشاف، آفة العرب «التعصّب» (اللعنة) الوحيدة التي أجمعوا عليها، وهي تكاد تقارب كلمة «اللغة» التي يتقنونها.

الأمر الأول هو وفاة الشاعر اللبناني الكبير سعيد عقل، الذي ارتبط اسمه بالتجديد في عالم الشعر العربي، وحاول ضمن مشروعه الشعري أن يخطو خطوات أوسع في تجديد القصيدة العربية، بموت الرجل انقسم الجميع، ما بين مُحتفٍ بتجربته، وآخرين ينالون منه لمواقفه السياسية المعارضة لهم، خاصة مواقفه من العدوان الإسرائيلي على لبنان، وموقفه من القضية الفلسطينية، ومحاولاته إحياء القومية اللبنانية، بعيداً عن صراعات المنطقة.

الأمر الآخر هو الضجة التي أثارتها الكاتبة الجزائرية أحلام مستغاني عندما وصلت إلى الكويت لحضور حفل توقيع روايتها الأخيرة، وندوة عن تجربتها الأدبية، بمعرض الكويت الدولي للكتاب، وكان الاستهجان ورفع الأصوات لرحيلها، أو طردها بمعنى أدق، بحجة تأييدها لصدام حسين وسياساته. هنا ــ بغضّ النظر عن مستوى ما تكتبه من أدب ــ تبدو آفة التعصب جلية، وكان من المفترض أن تتم مناقشة الكاتبة في كتاباتها، ومدى تحقق الأدبية من عدمه، في ما تخطه. ورغم جمهورها الكبير في الكويت، ورغم مؤلفاتها المنتشرة في المكتبات، ونسبة المبيعات المرتفعة ــ كمؤلفات لا تجد جهداً في القراءة أو الاستيعاب ــ سلعة سهلة الهضم، وبالتالي البيع، فإن الموقف جاء وفق خلفيات سياسية، لا تنتمي للأدب، ولا للندوة وموضوعها بأي صلة.

منذ سنوات، وقبل رحيله، منعت الكويت بفضل ثقل التيارات الإسلامية دخول د. نصر حامد أبو زيد إلى أراضيها، وقد جاء لإلقاء إحدى محاضراته فيها، بحجة التعصب الديني، ووصفوه بأنه خارج عن المِلة، وجاء بالطبع حُكم التطليق من زوجته، وقد حكمت به محكمة مصرية، ليكون دليل إدانة الرجل الذي يسبقه إلى أي بلد عربي متعصّب.

آفة يتنفسها العرب مهما حاولوا التظاهر بعكس ذلك، قد تجدهم يركبون السيارات الفارهة، ويجلسون في الحجرات المُكيّفة، ويأكلون في المطاعم وجباتهم الجاهزة، ويستخدمون أغلى العطور، وكل مظاهر الحضارة الاستهلاكية يتنفسونها، إلا أن لا وعيهم لم يزل يحيا في صحراء القبيلة، وسلوكياتهم لم تزل تنظر إلى الآخر، وكأنه العدو المشكوك به على الدوام، التعصّب هو الوجه الآخر الكاشف لعدم الثقة في النفس وما تنتجه، أو في حالتنا.. ما تستهلكه وتعيش عليه من آفات متوارَثة لا سبيل إلى التخلص منها كما يبدو.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *