الرئيسية » آخر الأخبار » حول الاعترافات الحكومية ومقترحات الإصلاح: حسنة قليلة لم تمنع هدر أموال كثيرة!

حول الاعترافات الحكومية ومقترحات الإصلاح: حسنة قليلة لم تمنع هدر أموال كثيرة!

البريق الجميل من الخارج لا يعكس ما يخفيه الداخل من فساد
البريق الجميل من الخارج لا يعكس ما يخفيه الداخل من فساد

كتب محرر الشؤون المحلية:
في منتصف الثمانينات وبوجود مجلس أمة ذي أداء مميز ومتنوع الاتجاهات، تمت المطالبة بالإصلاح الإداري على ضوء تفشي الفساد والمحسوبية، وتردي الأداء في القطاع الحكومي، مع ملاحظة عدد كبير من النواب ممن تناولوا هذا الموضوع، فإنه لم يتم تحويل مسؤول للنيابة العامة للتحقيق تجاه حالات محددة من السرقات التي كُشفت في وزارات معينة، ولم ينظر بها أو يساءل المسؤول المباشر عنها، وكانت صيحة واضحة لقيام الحكومة بالإصلاح الإداري.. تم حل مجلس الأمة آنذاك، وكان الحل الثاني غير الدستوري في مسيرته، وحتى تداري الحكومة التوجهات النيابية بشأن الإصلاح الإداري أخذت على عاتقها وحدها عملية الاصلاح وأول خطوة اتخذتها كانت تعديل المسمى، وبدلاً من كلمة الإصلاح استيعض عنها بعبارة «التطوير الإداري»!

هذا التعديل لم يحدث عفوياً أو لغوياً، بل كان مقصوداً، فعندما تعترف الحكومة بضرورة قيامها بالإصلاح، فهذا يعني أن ثمة خراباً في الإدارة، وكونها اعتادت على المكابرة ونفي وجود أي خراب إداري لإصلاحه غيّرت الكلمة إلى التطوير الإداري.

وتالياً لم يؤدِّ هذا التطوير إلا إلى مزيد من الخراب وحالات النهب والفساد، وجرت أنهر الملايين في جيوب البعض دون مساءلة أو إفشاء!

وهكذا سارت أمور «التطوير الإداري» الشعار الذي رفعته الحكومة آنذاك.. تطوير نحو مزيد من حالات النهب والفساد والتردي الإداري.

تصريحات وزارية

نتذكر هذه الحالة في الإدارة الكويتية التي حاقها الشيء الكثير، ونتوقف عند الدعوات التي تنادي بوقف الهدر في الإدارة الحكومية على ضوء عدة تصريحات وزارية.. والأمر الجيد هنا هو هذا الاعتراف الواضح بأن هناك هدراً مالياً يُرتكب سنوياً من خلال الميزانيات السنوية، من دون أن تكابر الحكومة أو تخفي مثل هذا الهدر، وزير النفط يصرّح بأنه بموجب توجيهات مجلس الوزراء سيتم صرف ما تحتاجه فقط في الميزانية.. وكلام الوزير يعني أن أغلب الوزارات تعتمد ميزانياتها التقديرية السنوية بناء على المعطيات المالية التي سبقتها وتبني عليها عادة بالزيادة بنسب معينة، أي ليس بموجب الاحتياجات الفعلية، بل بناء على معطيات سابقة، فهناك مثلاً مبلغ مالي مرصود للأعمال الإضافية خلال السنة، يتم تحديد المبلغ بشكل مجرد، وليس بالضرورة أن جهاز الوزارة يحتاج إلى مثل هذاالمبلغ فعلياً، لذا، وبغرض إضفاء المصداقية على تحديد المبلغ للأعمال الإضافية، وحتى لا يكون هناك فائض في هذا الباب يتم التكليف الصوري بقيام عدد من الموظفين بأعمال إضافية بهدف إنهاء المبلغ المرصود قبل إقرار الميزانية الجديدة.. أصلاً لا يوجد عمل أصلي لتكليف عاملين بعمل إضافي، ولكن لابد من الصرف لإضفاء مصداقية على المبالغ المرصودة، وهذا أيضا ينطبق على المهمات والدورات الخارجية وتحوّل بعض الوزارات إلى ما يشبه السياحة الخارجية بما يكلف به البعض من المرضيّ عنهم حضور مؤتمر أو ندوة أو غيرها من المهام!

لابد من استنزاف أموال هذا البند لتبرير ما تم رصده من أموال، وفي النهاية تتم عملية الصرف، لا وفق الحاجة الفعلية للوزارة، بل فقط بغرض إنهاء المبلغ المرصود، ونأمل أن يشمل تصريح وزير النفط جميع الوزارات والهيئات الحكومية، وأن تكون هناك مراقبة مالية صارمة للتنفيذ، لا مجرد تصريح صحافي من دون تطبيق على أرض الواقع.

مقترحات المالية

هذا من جانب، ومن جانب آخر أوردت جريدة الجريدة في خبر لها في عددها الصادر 24 نوفمبر الماضي، أن وزارة المالية توجهت بمقترحات إلى مجلس الوزراء لإيقاف الهدر في الميزانيات السنوية، منها عدم إنشاء هيئات مستقلة أو مؤسسات عامة، ويمكن إضافة أية أعمال أو مهام موكلة إلى تلك الهيئات بأن تكون ضمن اختصاص ومهام إحدى الوزارات الحالية، التي تقترح إنشاء مثل هذه الهيئة.

يُذكر أن من آخر الهيئات التي تم إنشاؤها مؤخراً، والتي رصدت لها مبالغ مالية كبيرة، الهيئة العامة للعناية بطباعة القرآن الكريم والسنة النبوية وعلومها.. التي غدت هيئة مستقلة، وكان يمكن أن تكون إحدى إدارات وزارة الأوقاف.. وإن كانت هناك حاجة إلى التزوّد بمئات الآلاف من النسخ من القرآن الكريم، فيمكن ترتيب ذلك عن طريق مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة، وهو أكبر وأغنى مركز في العالم الإسلامي في طباعة المصحف الشريف، وينجز في السنة ملايين النسخ من المصحف الشريف، خاصة أن هناك صلات تعاونية ما بين البلدين عن طريق مجلس التعاون الخليجي.

كما أن هناك عدداً من الهيئات ليس لها من الأداء ما يتناسب مع المخصصات المالية المحصورة لها..

مجرد اقتراحات

نستكمل اقتراحات وزارة المالية، فبخلاف التوقف عن إنشاء الهيئات الخاصة كما ورد في خبر «الجريدة»، وردت مطالبة المالية بعدم الموافقة على أية تعديلات في الكوادر أو المرتبات الحالية، أو التوسّع في الهيكل التنظيمي الإداري واقتصار التعيينات على غير الكويتيين فقط للمختصين، مثل الأطباء والمدرسين والهيئة التمريضية، دون الكتبة أو الأعمال المكتبية البسيطة.. على كلٍّ، هي مجرد مقترحات وليست قرارات صادرة من مجلس الوزراء أو حتى قانوناً، وقد يؤخذ بها أو يتم إهمالها.. ألم تصدر خطة التنمية على شكل قانون ملزم، ومع ذلك جرى إهمالها واعترفت الحكومة بالتقصير في تنفيذها، كما صدرت عدة تصريحات رسمية بأنه حتى بعض القيادات الرسمية تجهل توجهات الخطة ومتطلباتها؟

فكيف يكون الحال إذن بالنسبة للتوصيات المرفوعة؟!

كما أن ذلك يعتبر خطوة متواضعة وقليلة المعنى في موضوع الهدر المالي، قياساً بالمبالغ المرصودة للإنشاء وبعض المشاريع، التي خرج عدد منها عن إدارة الحكومة ومن وزارة الأشغال العامة لتتكفل بها جهة أخرى ممثلة بالديوان الأميري.. قد تكون الحسنة الوحيدة في هذا الاتجاه هو الاعتراف بأن هناك هدراً مالياً، ولم تكابر الحكومة أو تعمد إلى تغيير الكلمات كما جرى بالنسبة للإصلاح الإداري.. وهي حسنة قليلة أمام الأموال الكثيرة التي تهدر سنوياً.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *