الرئيسية » قضايا وآراء » محمد جاد : من جورج أورويل.. إلى آلان جريش

محمد جاد : من جورج أورويل.. إلى آلان جريش

محمد جاد
محمد جاد

لم تزل الدولة تواصل فقراتها الكوميدية، كطريقة للتخفيف عن المواطن المصري من وطأة مشكلاته، ولحظات الملل الذي يحياها، كما نجدها مثلاً في حالات الانتحار المستمرة بين أفراد الشعب. وحتى تكون الدولة رحيمة بمواطنيها، فإنها تخرج عليهم بحادث كوميدي من حوادثها التي أصبح المصريون يتنفسونها.

الفاصل الكوميدي الأول تمثل في القبض على شاب قيل إنه يقوم بتصوير بعض تجمعات لرجال الشرطة، ومن الممكن القبض عليه بالفعل واستجوابه لهذه الفعلة، إلا أن ما أدى إلى تحويل الفعل من تراجيدي إلى كوميدي، هو إسناد دليل آخر على تورّط الطالب الجامعي، وهو أنه كان يحمل رواية «1984» لـ «جورج أورويل»، التي ينتقد فيها نظام الحكم الشمولي، وكان يقصد ستالين، الذي أطلق عليه مصطلحاً تحول من عالم الأدب إلى السياسة هو «الأخ الأكبر»، الذي يرتب للجميع ويصوغ لهم حياتهم وفق هواه وجموحه. والسؤال المثير للسخرية.. هل أصبح رجال الأمن على هذه الدرجة من الوعي والثقافة بأن يعرفوا أورويل وأخاه الأكبر، فالرقيب على المصنفات من الممكن أن يكون سمع عن الرواية ومؤلفها بصفة عابرة، ليس أكثر. وهل ستصل مصر والعالم العربي إلى هذه الحال، إذا ما توافر هذا الوعي عند رجال الأمن؟!

الأمر الآخر، الأشد مأساوية، هو القبض على «آلان جريش» رئيس تحرير جريدة اللوموند ديبلوماتيك، والمولود بمصر، وحفيد «هنري كوريل» مؤسس الحركة الشيوعية المصرية. تم القبض على الرجل خلال جلوسه بأحد مقاهي القاهرة، وذلك بعدما سمعت إحدى الجالسات على مقربة من الرجل حواره مع صديقتين إحداهما صحافية، وبما أنها تجهله ــ التي أبلغت عنه ــ وسمعته يتحدث عن الوضع السياسي الراهن، أملت عليها قيمها الوطنية بتبرعها بالإبلاغ عن الرجل ومَن معه! بالفعل خرج الرجل بعدها بساعات من احتجازه، ولكن الأمر الأكثر خطورة هو تحقيق فكرة «الأخ الأكبر» على أرض الواقع، بأن يصبح بعضنا عيناً على بعض، لمصلحة مُسمى وحالة وهمية اسمها مصلحة الوطن، أي وطن؟.. لا ندري، أية مصلحة؟.. لا نعلم، وأي نفع من هذا الجو الإرهابي الذي نتنفسه، القائم على الشك في الجميع؟ وهل يريد النظام الحاكم أن يجني ثمار نجاحه، ويثق في وجوده بأن يحوّل الشعب إلى عين بعضه على بعض، بالحجة الواهية نفسها، التي تتكرر طوال تاريخ السلطة المأزومة، حجة المصلحة العامة؟!

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *